The ratio of literary style and scientific style in the contemporary vertical poem (An study of samples from the poetry of Jassim Al-Sahih and Aref Al-Saedi based on the Bozeman equation)
Subject Areas : Literary criticism
Ali Haidari
1
,
eesa motaghizadeh
2
,
Kobra Roshanfekr
3
,
Faramarz Mirzaee
4
1 - Tarbiat modes university
2 - Tarbiat modares university
3 - Assistant Prof. ,Department of Arabic Language and Literature ,Tarbiat Modarres University, Tehran, Iran
4 - Professor at Department of Arabic Literature, Tarbiat Modarres University
Keywords: Jassem Al-Sahih, Contemporary Arabic Poetry. Bozeman equation, Aref Al-Saadi, statistical stylistics,
Abstract :
Formal criticism emerged as one of the directions that focused on analyzing the language of literary work. It devoted his attention to studying issues related to the language of literature in general and poetry in particular. Statistical stylistics is one of the most important critical and scientific schools that study texts through statistics. By treating literary works with mathematical equations, and analyzing them according to theories, they reach more accurate results than the literary style. The current research attempts to read the literary contemporary vertical poem through statistical stylistics and reveal its influence on contemporary issues. To find out the level of literary texts and the factors associated with them, the researchers relied on the descriptive analytical-statistical approach, taking the Bozeman equation in knowing the ratio of verbs to adjectives as a guide in order to reach the goal of the research. And after two poets were selected from the great poets of the vertical poem in the contemporary era, namely Jassim Al-Sahih from the Kingdom of Saudi Arabia, and Aref Al-Saadi from Iraq. The choice fell off about 50 verses for each. After extracting 600 words from the words of each poet, the researchers concluded that the sample of Al-Sahih enjoys about (85%) of the literary style, and the sample of Al-Saadi has slightly less emotional than Al-Sahih, which is (82%). The two samples are of eloquent poetry. and the purpose of Al-Sahih's spinning made his poetry move forward with relative excitement over the poetry of Al-Saadi.
نسبة الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي في القصيدة العمودية المعاصرة
(دراسة نماذج من شعر جاسم الصحيِّح وعارف الساعديّ في ضوء معادلة بوزمان)
الملخص
برز النقد الشکلي کواحد من الاتجاهات التي رکّزت علی تحليل لغة العمل الأدبي. فأولَی عنایته لدراسة القضایا المتعلقة بلغة الأدب عامة ولغة الشعر خاصة. والأسلوبیّة الإحصائية من أهم مدارسه النقدية التي تدرس النصوص من خلال الإحصاء. والبحث الحاضر محاولة لدراسة أدبيِّةِ القصيدة العمودية المعاصرة وربطها بالقضايا المعاصرة من خلال الأسلوبية الإحصائية. فاعتمد الباحثون علی المنهج الوصفي التحليلي الإحصائي، متّخذين معادلة بوزيمان في معرفة نسبة الأفعال إلی الصفات دليلاً بغية الوصول إلی مراد البحث. وبعد أن تم اختيار شاعرَين من کبار شعراء القصيدة العمودية المعاصرة في العالم العربيّ الذين حازوا علی المراکز الأولی في العديد من المسابقات والمهرجانات العربية والعالمية، وهما جاسم الصحيّح من المملکة العربية السعودية، وعارف الساعدي من العراق، استُخرج 600 کلمة من کلمات کلّ منهما لتدرس في ضوء معادلة بوزيمان. وبعد دراسة المفردات، توصّل البحث إلی أنَّ عيّنة الصحيّح تتمتّع بنحو (85%) من الأسلوب الأدبي، وعيّنة الساعديّ تتمتّع بعاطفة أقلّ من الصحيّح بقليل، وهي (82%). فالعيّنتان من الشعر الفصيح. والشاعران رَجُلان، وذلك ما يحافظ علی قلة نسبة الاختلاف بينهما. لکن الغرض الغزلي لدی الصحيّح جعل شعره يتقدّم بانفعال نسبي علی شعر الساعدي. فإنّه لم يتطرّق في شعره إلی غير الخيال والغزل والتشبيب. لکنّ الساعدي حاول أن يرسم في شعره لوحة تضمّ قضايا العراق، ومعاناة الشعب، وآثار الحروب. ووقوفه بين الماضي والحاضر، جعل نسبة الأفعال في شعره ترتفع لتقترب من نسبة الأفعال عند الصحيّح.
الكلمات الدليلية: الأسلوبية الإحصائية، الشعر العربي المعاصر، معادلة بوزيمان، جاسم الصحيح، عارف الساعدي.
المقدمة
بیان المسألة والمنهج
إنّ البلاغة العربیة مرّت بعصور مختلفة، طوال قرون عدیدة. وقد شهدت تحوّلات لا یمکن غضُّ البصر عنها في الأدب، کما کان منها ما عُدَّ نواة النظریات الحدیثة في البلاغة. فظلّ النقّاد واللغویون یزنون النصَّ المکتوب أو المحکي علی أساس هذه الآراء البلاغية القدیمة، حتّی دخل الأدبُ العربيّ حیاتَه الجدیدة في العصر المعاصر. فتعرَّف بعد ذلك النقّادُ العرب علی النظریات اللسانیّة والبلاغیّة الغربیّة. وأخذوا یطّلعون علی غیر ما عهده الأدب العربي القدیم، متأثّرین بالتیّارات الغربیّة. فبرز نقّادٌ یدعون إلی ثورة تُعَصرِن البلاغة العربیّة. وهکذا بدأت دراسات الأدب ترتبط شيئاً فشيئاً بالعلوم الأخری کاللسانيات. حیث ربطها العالم اللغوي دوسوسیر Ferdinand de Saussure بالدراسات اللسانیة من خلال التفریق بین اللغة Langue والکلام Parole. وإذا کانت الدراسات اللغوية ترکز علی اللغة، فإنّ الأسلوب یرکز علی طریقة استخدامها وأدائها، إذ إنّ المتکلّم أو الکاتب یستخدم اللغة استخدماً یقوم علی الانتقاء والاختیار ویرکب جمله ویؤلّف نصّه بالطریقة التي یراها مناسبة (ربابعة، 2003م، 9).
والأسلوبیّة Stylistics هي علم دراسة الأسلوب، أو تطبیق المعرفة الألسنیّة في دراسة الأسلوب. وقد تطوّرت دلالتها الاصطلاحیّة في حقل الکتابة، حتّی ثبتت في بدایات القرن العشرین، مع تلميذ دوسوسیر ومواطنه الألسني السویسري شارل بالي Charles Bally الذي أسس هذا العلم في کتابه الرائد «مبحث في الأسلوبیّة الفرنسیّة». فاستقرّت الأسلوبیّة علی کیفیة الکتابة من جهة، ومن جهة أخری: کیفیّة الکتابة الخاصة بکاتب ما، أو جنس ما، أو عهد معین (وغليسي، 2008م: 175). وللأسلوبية مجالات مختلفة، منها الأسلوبية الإحصائية. فهي من أهم المدارس النقدية والعلمیة التي تتطرق إلی التحلیل الریاضي والإحصائي للنصوص. وهي أکثر دقة وموثوقیّة من النمط الأدبي (أمرائي، 1399ش: 184)، لأنّها تُعنَی بالکمّ، وإحصاء الظواهر اللغوية في النصّ، کما تساعد في اختيار العینات اختیاراً دقیقاً، وتقیس کثافة الخصائص الأسلوبیة عند منشئ أو عمل معیَّن، والنسبة بین تکرار خاصیة أسلوبیة، وخاصیة أخری وتقارن بینهما، وکذلك تقیس التوزیع الاحتمالي لخاصیة أسلوبیة معیّنة (سهام؛ لیندة، 2017م، 29).
معادلة بوزيمان من أهمّ النظريات الأسلوبية الإحصائية لدراسة النصوص الأدبية، فهي تميّز نسبة أدبيّة النصّ من خلال تحديد مظهرين من مظاهر التعبير: أولهما التعبير بالحدث، وثانيهما مظهر التعبير بالوصف. وعلی هذا الأساس رأی البحث الحاضر أن يسلّط الضوء علی القصيدة العمودية المعاصرة لمعرفة ما ورائها من معان معاصرة، فتم اختيار شاعرَين معاصرَين من شعراء القصيدة العمودية المعاصرة، وهما جاسم الصحيّح الذي ولد في الأحساء عام 1964م، وأنشد الشعر منذ ريعان شبابه بمواضيع الأدب الملتزم، ثم تطرّق إلی شتّی الأغراض الشعرية وشارك في عديد من المهرجانات والمسابقات وحاز علی جوائز کثیرة، أهمّها: جائزة عجمان للشعر ثلاث مرات، وجائزة مؤسسة البابطين لعام 1998م عن أفضل قصيدة على مستوى العالم العربي، المركز الثالث في مسابقة أمير الشعراء 2007م (مجتهد زادة؛ آخرون، 1440ق: 215). وعارف الساعدي الذي ولد في بغداد عام 1975م. حاصل علی شهادة الدکتوراه في الأدب الحديث ونقده. وقد حاول أن یجدّد القصیدة العمودة التسعینیة، ویحررها من بعض القیود الصارمة للعمود الشعري، تأثراً بتجربة الشاعر الکبیر محمد مهدي الجواهري (الساعدي، 2018م: 6. وقد شارك في عديد من المهرجانات الشعرية، وحصل على عدة جوائز، أهمّها: جائزة مسابقة «المبدعون للشعر» التي أقامتها مجلة «الصدى» في دورتها الأولى في دبي عام 2000م، جائزة الدولة للإبداع الشعري عن وزارة الثقافة العراقية عام 2014م، جائزة الأمير عبد الله الفيصل عن كامل منجزه الشعري عام 2021م. وقد اختار البحث 50 بیتاً من کلٍّ من مجموعَتَي هذين الشاعرين المتوفرتَين، لتدرس کلها من منظار نظرية بوزيمان في الأسلوبية الإحصائية بغيةَ فحص العاطفة الشعرية ونسبتها عند شاعرَين مِن بيئتَين مختلفتين. کما ستساعد نتائج الدراسة علی معرفة تأثير العوامل الخارجية علی نسبة أدبيّة النصّ وانفعاليّته من منظار بوزيمان. فستعتمد الدراسة في خطّتها علی إطار المنهج الإحصائي التحليلي، کما ستأتي بجداول ورسوم بيانية تساعد في التوصّل إلی نتائج أدق.
أسئلة الدراسة
وتحاول هذه الدراسة التوصّل إلی الإجابة عن السؤالين التاليَين:
1- ما هي نسبة الأسلوب العلمي، والأسلوب الأدبي لدَی کلٍّ من الشاعرين جاسم الصحيِّح وعارف الساعديّ في نصوصهما المختارة؟
2- ما هي العوامل التي أثّرت في نسبة العاطفة الشعرية لدَی الشاعرين؟
3- ما دور الأحداث التي يمرّ بها بلَدَا الشاعرَين في ارتفاع الأسلوب الأدبي أو انخفاضه في شِعرهما؟
خلفية الدراسة
تظهر نتائج التحرّيات في الدراسات الأدبية واللسانية أنّه ليس هناك أيّ دراسة سلّطت الضوء علی القصيدة العمودية المعاصرة من منظار الأسلوبية الإحصائية. ولکن يمکن الإشارة فيما يأتي إلی الدراسات التي درست أسلوب النصوص الأدبية العربية من منظار معادلة بوزيمان.
فلاحتي وآخرون (1393ش) کتبوا بحثاً موسوماً ب«دراسة أسلوبية إحصائية لنماذج من مقامات الهمذاني واليازجي في ضوء معادلة بوزيمان» بغية دراسة المقامات لمعرفة نسبة أدبيتها بين الأنواع الأدبية. فاختاروا خمس عشرة مقامة من مقامات بديع الزمان الهمذاني، وخمس عشرة مقامة من مقامات ناصيف اليازجي بموضوعات متنوعة. فتوصّلوا في النهاية إلی أنّ مقامات کلا الناثرين تتمتّع بأدبية عالية ترفعها عن الأسلوب العلمي، وذلك لتوافر الشعر فيها. ومع هذا، فقد أظهرت الرسوم البيانية أنّ أسلوب الهمذاني أقرب إلی الأسلوب الأدبي مقارنة مع أسلوب اليازجي. وفسّرت المؤثرات أسباب ذلك برغبة الهمذاني في التفوّق علی ابن دريد، ومبالغته في الفنون البلاغية متعمّداً.
روستائي وصدقي (1394ش) کتبا بحثاً تحت عنوان «دراسة أسلوبية لمدائح المتنبي وابن هانئ الأندلسي في ضوء معادلة بوزيمان» ودرسا فيه أسلوب المتنبي الشاعر العباسي وابن هانئ الشاعر الأندلسي علی أساس معادلة بوزيمان. وقد توصّلت الدراسة إلی أنّ أسلوب المتنبي کان أدبياً أکثر من أسلوب ابن هانئ في القصائد المختارة. وقد بينت المؤثرات أنّ سبب ذلك هو اختيار ابن هانئ للقوافي الصعبة. فهي تدفع بالشاعر إلی الفکر الطويل کما تحول دون انطلاقه للتعبير عن کلّ ما يدور في خلَده.
صدقي وآخرون (1396ش) کتبوا بحثاً باللغة الفارسية تحت عنوان «تحليل قسم من رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، وقسم من رسالة الغفران للمعرّي علی أساس معادلة بوزيمان في الأسلوبية الإحصائية» محاولين دراسة أعمال أبي العلاء المعرّي من العصر العباسي، وابن شهيد من عصر ملوك الطوائف في الأندلس. وقد اختاروا خمسة عشر نموذج من رسالة الغفران، وخمسة عشر نموذج من رسالة التوابع والزوابع، ودرسوها علی أساس معادلة بوزيمان. فتوصّلوا إلی أنَّ کلا العملَين يتمتعان بنسبة عالية من الأدبية، وتعود أسباب ذلك إلی توظيف الکاتبين الشعرَ في نصوصهما النثرية، واستخدامهما اللغة الدارجة، والصور البيانية والبديعية.
ناعمي، وترابي حور (1398ش) تطرقتا في بحث باللغة الفارسیة تحت عنوان «قیاس الأسلوب الشعري في مجموعتي "قالت لي السمراء" لنزار قباني ومجموعة "رستاخیز" لسیمین بهبهاني علی أساس معادلة بوزیمان»، إلی مقارنة نسبة الفعل إلی الصفات في المجموعتین الشعریتین. وقد توصّلتا إلی أنّ أسلوب الشاعرین قریب إلی حدٍّ ما، مع أنّ سیمین تتمّع بأدبیّة أکثر.
أمرائي (1399ش) في بحثه المعنون ب«دراسة أسلوبية إحصائية للمعلقات السبع في ضوء معادلة بوزيمان معلقة عمرو بن کلثوم والحارث بن حلزة أنموذجاً» حاول فحص العاطفة الشعرية في شعر شاعرين من شعراء العصر الجاهلي. فاختار عمرو بن کلثوم والحارث بن حلزة ليدرس خمس وثمانين بيتاً لکلّ من معلّقتَيهما علی أساس معادلة بوزيمان في الأسلوبية الإحصائية. فتوصّلت النتائج إلی أنّ أسلوب عمرو بن کلثوم کان أدبياً أکثر من أسلوب الحارث بن حلزة بسبب الاستخدام الکثير للصفات والأفعال غير التامة في معلقة الحارث. وأظهرت المؤثرات الصياغية أنّ فخريات عمرو بن کلثوم قد نبعت من قريحة صادقة لم يختلط بها أي مدح لملك أو براهين لإقناعه، بل کانت بالأفعال الکثيرة تبرز شجاعة الشاعر وفخره بقبيلته.
أمیدوار، وآخرون (1399ش) تطرقوا في بحث باللغة الفارسیة معنون ب«الأسلوب الشعري في هاشمیات کمیت الأسدي وحجازیات الشریف الرضي علی أساس معادلة بوزیمان» إلی نسبة الفعل إلی الصفة في شعر الشاعرین. وقد توصّلوا إلی أنّ أسلوب الشریف أدبيّ أکثر.
أمرائي، ورضائي (1400ش) کتبا بحثاً تحت عنوان «شعر النقائض الأمویة، دراسة أسلوبیة إحصائیة في ضوء اللسانیات الکمیة (نقیضة الفرزدق وجریر أنموذجاً)» وقد انتهی المقال إلی أنّ درجة الانفعال والإثارة الأدبیة في أسلوب الشاعرين تختلف. إذ إنّ نقیضة جریر کانت أکثر أدبیة من نقیضة الفرزدق.
وصفوة القَول إنَّ ما ذُکِر من الدراسات السابقة وما شابهها، تختلف عن البحث الحاضر من جهتين اثنتين، الأولی هي أنّ کلّ الدراسات لم تدرس القصيدة العربية المعاصرة من منظار الأسلوبية الإحصائية. والثانية، تتلخّص في انعدام الأبحاث عن علاقة الأسلوب بالواقع العربي، وتأثيره علی العاطفة الشعرية. وسيحاول هذا البحث الربط بين الاثنين ومعالجتهما في هذه الدراسة.
المفاهیم النظرية
سیأتي هذا القسم من الدراسة بتعاریف أهمّ المفاهیم النظریة التي سوف تتطلَّب معرفتها لمناقشة الموضوع الرئیس.
الأسلوبیّة الإحصائیّة
برز النقد الشکلي کواحد من أهمّ الاتجاهات النقدیة التي أولت عنایتها لتحلیل لغة العمل الأدبي، وهذا ما عبر عنه الناقد الإنجلیزي أيفور أرمسترونج ریتشاردز I.A.Richards عام 1924م تحت عنوان: الوظيفة المزدوجة للغة Tow uses of Languge. وفي ذلك الحين لم تکن الدراسات اللغوية في أوروبا الغربية وأمریکا قد أولت جانباً من عنایتها لدراسة القضایا المتعلقة بلغة الأدب عامة ولغة الشعر خاصة، مرکزة اهتمامها علی قضایا علم اللغة الخالص. وهکذا أصبحت قضایا لغة الأدب في مرکز الاهتمام بالنسبة للغویین. ونشطت الدراسات في اللسانيات الأسلوبية Linguistic Stylistics وتحليل لغة النصوص، وتعددت الاتجاهات تبعاً لتعدد الأسس النظرية والفلسفية بين المدارس اللغوية. ومنذ الخمسينيات من القرن المنصرم، أصبح مصطلح الأسلوبية يطلق علی منهج تحليلي للأعمال الأدبية؛ يقترح استبدال الذاتية والانطباعية في النقد التقليدي بتحليل موضوعي أو علمي للأسلوب في النصوص الأدبية (خفاجي؛ آخرون، 1992: 11). فمعدن الأسلوبية ما يقوم في اللغة من وسائل تعبيرية تُبرز المفارقات العاطفية والإرادية والجمالية بل حتّی الاجتماعية والنفسية، فهي إذن تعنَی بالجانب العاطفي في الظاهرة اللغوية وتقف نفسها علی استقصاء الکثافة الشعورية التي يشحن بها المتکلمُ خطابَه في استعماله النوعي (المسدي، 1982: 41). ثم تطورت الأسلوبية وتشعّبت لتدخل في عدة مجالات منها الأسلوبية المقارنة، والأسلوبية التطبيقية، والأسلوبية الوظيفية والأسلوبية البنيوية (جيرو، 1972: 145)، والأسلوبية الإحصائية (S. Statistique) ضمن هذه الأنواع من الأسلوبیّة (وغليسي، 2008: 178). فالأسلوبیّة الإحصائية من أهم المدارس النقدية والعلمیة التي تتطرق إلی التحلیل الریاضي والإحصائي للنصوص. وهي أکثر دقة وموثوقیّة من النمط الأدبي (أمرائي، 1399ش: 184)، لأنّها تُعنَی بالکمّ، وإحصاء الظواهر اللغوية في النصّ، کما تساعد في اختيار العینات اختیاراً دقیقاً، وتقیس کثافة الخصائص الأسلوبیة عند منشئ أو عمل معیَّن، والنسبة بین تکرار خاصیة أسلوبیة، وخاصیة أخری وتقارن بینهما، وکذلك تقیس التوزیع الاحتمالي لخاصیة أسلوبیة معیّنة (سهام؛ لیندة، 2017م، 29)، وتحدّد السمات الأسلوبیّة لمنشئ، وتقارنها بنظائرها من النصوص التي هي موضع النظر، بغیة تحدید مدی التطابق أو التشابه أو الانحراف عن النمط، وهکذا یمکن ترجیح إثبات نسبة النصّ للمنشئ أو نفیها من خلال الأسلوبیة الإحصائیة (مصلوح، 1993م: 111).
یعود أوّل استخدام إحصائي للنصوص الأدبیّة للقرن التاسع عشر، حیث درس مندنهول Mendenhall مسرحیات شکسبیر William Shakespeare عام 1837م (نظري، 1397ش: 293)، ثمّ حظي هذا النوع من الدراسات بالاستقبال من قبل العدید من النقّاد واللغویین کأرمسترونج ریتشاردز I.A.Richards، ثمّ بوزیمان A.Busemann عام 1925م (متقي زادة؛ آخرون، 1440ش: 142)، وزیبف Zipf عام 1932م (فرهمندپور، 1391ش، 27)، وجونسون W. Johnson عام 1941م (مصلوح، 1993م: 91)، ویول G. Udny Uule عام 1944م (مصلوح، 1993م: 119).
نسبة الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي في معادلة بوزيمان
اقترح العالم الألماني أ. بوزیمان A. Busemann معادلةً لتمییز لغة الأدب من لغة العلم (أو الأسلوب الأدبي من الأسلوب العلمي)، ولغة الشعر من لغة النثر، وتمییز اللغات المستخدمة في الأجناس الأدبیّة. وقد طبّقها علی نصوص من الأدب الألماني في دراسة نشرت له عام 1925م (مصلوح، 1992م: 73). وخلاصة الفرض الذي وضعه بوزيمان هو أنّ من الممكن تمييز النص الأدبي بواسطة تحديد النسبة بين مظهرين من مظاهر التعبير: أولهما التعبير بالحدث، وثانيهما مظهر التعبير بالوصف. فالنتيجة التي تحصل عن ايجاد خارج قسمة عدد الكلمات المعبرة عن الحدث على عدد الكلمات المعبّرة عن الوصف، تخبرنا عن أدبية نصٍّ ما أو علميته. فكلّما زادت النسبة،كان طابع اللغة أقرب إلى الأسلوب الأدبي، وكلّما نقصت، كان أقرب إلى الأسلوب العلمي (نفس المصدر: 74). وقد لاحظ بعض الباحثين الألمان غموضَ مصطلحي الأفعال والصفات، وأنَّ تطبيقَهما على النصوص اللغوية الألمانية يوقع في كثير من الحيرة والارتباك، مما يؤثر على انـضباط المقياس وموضوعيته (وينطبق هذا على اللغة العربية بصورة أكبر، إذ إنَّ اسم الفاعل واسـم المفعول والصفة المشبهة تعمل عمل الفعل، وهي صفات، ومن ثمّ فإنَّ تحديد هذه الكلمات، هل هي حدث أم وصف، يبدو مشكلة، بالإضافة إلى أنَّ بعض الأفعال ناقصة الحـدث، كالأفعـال الناقصة، مثل كان وأخواتها، وأفعال المقاربة، وأفعال المدح والذم) (العرجا، 2008م: 10). ولحلِّ هذه المشکلة، قام عالم النفس الألماني نويباور V. Neubawer، والباحثة شيلتسمان أوف إنسبروك A. Schltz mann of Insbruck، بتبسیط المعادلة وتدقیق صیاغتها باستخدام عدد الأفعال بدلاً من قضايا الحدث، وعدد الصفات بدلاً من قضايا الوصف. وبذلك اتخذت المعادلة الشکل التالي:
= نسبة الفعل إلی الصفة
وتسمّی بالإنجلیزیّة VAR، وهي الحروف الأولی من المقابل الإنجلیزي Verb-Adjective Ratio)). وقد غیّرها سعد مصلوح إلی معادلها العربي لتصبح ن ف ص (حیث ن= نسبة، ف= فعل، ص= صفة، أي نسبة الفعل إلی الاسم) (مصلوح، 1992م: 77).
تستخدم فرضیة بوزیمان مؤشراً لقیاس مدی انفعالیة (أو عقلانیّة) اللغة المستخدمة في النصوص، ومن ثمّ استخدمت لتشخیص الأسلوب الأدبي. وهناك مؤثرات تؤدّي إلی ارتفاع (أو انخفاض) ن ف ص في الکلام، وتنقسم إلی قسمین: مؤثرات ترجع إلی الصیاغة Form، ومؤثرات ترجع إلی المضمون Content. ومن مؤثرات الصیاغة یمکن الإشارة إلی أنّ (الکلام المنطوق یمتاز بارتفاع ن ف ص في مقابل انخفاضها في الکلام المکتوب)، و(نصوص اللهجات تمتاز بارتفاع ن ف ص في مقابل انخفاضها في النصوص الفصحی)، و(النصوص الشعریة تمتاز بارتفاع ن ف ص في مقابل انخفاضها في النثر). و(تمتاز الأعمال الأدبیة بارتفاع ن ف ص في مقابل انخفاضها في الأعمال العلمیّة)، و(یمتاز الشعر الغنائي بارتفاع ن ف ص في مقابل الشعر الموضوعي).
ومؤثرات المضمون اثنان: أولهما العمر Age: إذ یرتبط منحنی ن ف ص عادة بمراحل العمر، فیمیل إلی تسجیل قیم عالیة في الطفولة والشباب، ثمّ یتجه إلی الانخفاض في الکهولة. وثانيهما الجنس Sex: تمیل قیمة ن ف ص إلی الارتفاع عند النساء، مقابل میل واضح إلی انخفاضها عند الرجال. کما ینبغي أن یکون واضحاً أنّ الارتفاع والانخفاض في قیمة ن ف ص إنّما هو نسبي ولیس مطلقاً (مصلوح، 1992م: 79).
سعد مصلوح وآراؤه الإحصائیة
تبنّی النقد العربي في العصر المعاصر العدیدَ من الدراسات اللسانیّة والبلاغیة الغربیّة لغایات کثیرة. کما استقبل المنهج الإحصائي أداةً للتحلیل. وسعد عبد العزیز مصلوح، من أهمّ الذین آمنوا بالأسلوبیّة الإحصائیة، وتبنّوا مفاهیمها ومبادئها نظریاً وإجرائیاً، اعتماداً علی رؤیة منهجیّة تتجاوز العدد الکمّي، إلی نتائج تحلیلیّة تفتح آفاقاً واسعة أمام الباحثین (بن دریس، 2018م: 230). فقدّم نماذج من التحلیل الإحصائي الأسلوبي بما یستدعیه من دقّة وصبر في عملیة الإحصاء، وتحدید العینات، وتطبیق المقیاس الأنسب للخاصیة الأسلوبیة المراد تشخیصها ودراستها، وبطبیعة الحال فقد أفاد من منجزات التحلیل الإحصائي الأسلوبي لدی بعض روّاده من الغربیین مثل معادلة بوزیمان، ومقیاس جونسون، ومقیاس یول (بن دریس، آخرون، 2016م: 151). فقد درس سعد مصلوح نماذج لهؤلاء المنظرين، ولم یکتفِ بتطبیقها فحسب، بل حاول جاهداً لأن یوطِّن هذه النظریات توطیناً عربیاً یلائم اللغة والأدب العربیَّین. فقدّم لکلٍّ من هذه النظریات لائحةً من الفوائد التي لابدّ من أخذها بعین الاعتبار، في دراسة النصوص العربیة علی أساس الأسلوبیّة الإحصائیة وفق مقاییس بوزیمان، وجونسون، ویول.
آراء سعد مصلوح عن معادلة بوزیمان
ولاتباع الدراسة الإحصائیة، علی أساس معادلة بوزیمان، یذکر سعد مصلوح تجاربه للباحثین، موضحاً أنّ الإحصاء الذي أجراه في الجانب التطبیقي یشمل علی جمیع الأفعال التي تتضمن التعبیر عن الحدث. وبیان ذلك أنّ للفعل جانبَین، جانب الحدث، وجانب الزمن. فأمّا الأفعال التي تخصصت دلالتها في الزمن کالأفعال الناقصة أو التي جمدت دلالتها علی الحدث، فینبغي أن تکون خارج الإحصاء _وذلك حتی لا یبقی من الأفعال إلا ما صحت دلالته علی الزمن والحدث (مصلوح، 1992م: 78). فاستثنی إذن الأنواع التالیة من الأفعال:
1_ الأفعال الناقصة (کان وأخواتها، إلا إذا جاءت تامّة).
2_ الأفعال الجامدة (مثل نِعمَ وبئسَ).
3_ أفعال الشروع، وأفعال المقاربة (مثل کاد وأخواتها).
والجملة الاسمیة أو الفعلیة أو شبه الجملة التي تأتي صفةً علی أساس النحو التقلیدي، لا تُعَدّ ضمن عدد الصفات. وغیر ذلك، فیشمل الإحصاء جمیع أنواع الصفات بما في ذلك الجامد المؤول بالمشتق کالمصدر الواقع صفة، والاسم الموصول بعد المعرفة، والمنسوب، واسم الإشارة الواقع بعد معرفة. واسم الفاعل، واسم المفعول یُعدَّان ضمن الصفات، إلا إذا استعملا بدلاً من الاسم (صدقي؛ آخرون، 1396م: 135).
تطبيق وتحليل
سیُتطَّرَّقُ في هذ القسم من الدراسة إلی تطبيق معادلة بوزيمان علی نماذج من شعر جاسم الصحيّح، وعارف الساعدي بغیةَ الوصول إلی أجوبةٍ لأسئلة البحث. فقد تم اختيار حوالَي 50 بيتاً لکلٍّ مِن الشاعرين، کما أُحصِيَ عدد الأفعال والصفات فيهما وفقاً لآراء بوزيمان، ومقترحات مصلوح. فإنّ عيّنة الصحيّح هي قصيدة «وجهك صدفة أم قدر» (الصحيح، 2018م: 45). وعيّنة الساعدي قصائد «ما لم يقله الرسام» (الساعدي، 2018م: 81)، و«عمره الماء» (نفس المصدر: 86)، و«يا حلم أجدادي» (نفس المصدر: 92). ولاحتساب الأفعال، لقد أشير تحت کلّ فعل بخطّ، کما وُضِعَت کلّ صفة بين قوسين لاحتساب عدد الصفات.
نموذج من تطبيق معادلة بوزيمان علی 10 أبيات مِن شِعر الصحيّح
نکادُ نسمعُ فيما نحنُ نسمعهُ |
| ماءَ اليقين علی الأرواح (مُنهمرا) |
يمنايَ (غارقةٌ) في العشقِ (هائمةٌ) |
| ما بينَ کفّيكِ حتّی آنَسَت خَدَرا |
حلَّ المجونُ قليلاً مِن مآزِرِهٍ |
| ثارَ الجنونُ وثديُ الرغبة اعتُصِرا |
وما ارتقَی في الهوَی سقفُ المجازِ بنا |
| إلا تداعَی حياءً منكِ وانحدرا |
متی أقَشِّرُ هذي الکستناءَ متی |
| أقلِّبُ الجمرَ فالليل (الطويلُ) سَرَی |
والحبُّ يبدأُ مِن فنجانِ قهوتنا |
| طفلاً ويکبرُ حتَّی يبلغَ السُّرُرا |
داعَبتِني بهلالٍ تخمشينَ به |
| جِلدي وأُخطِئُ لو سمَّيتُهُ ظُفُرا |
ومِن شِفاهي حيث القُبلةُ اشتعلتْ |
| رَميتُ لُغماً علی يمناكِ فانفجَرا |
فُرنٌ مِن الشوق أَوجزناهُ في قَبَسٍ |
| أحيا مِن الليل ما أحياهُ وانتحَرا |
تراعَشَتْ بارتباکاتِ الوداعِ يدي |
| کأنّما نبضها مِن ذاتِهِ نَفَرا |
(الصحيح، 2018م: 49)
وبإحصاء عدد الأفعال والصفات في کلّ عينة الصحيّح، يمکن التوصّل إلی الجدول، والنسبة التاليَين:
الجدول 1-VAR في شعر الصحيّح
عدد الأبيات الداخلة في الإحصاء | عدد الأفعال | عدد الصفات | ن ف ص |
52 | 120 | 21 | 5.71 |
= نسبة الفعل إلی الصفات (ن ف ص) في شعر الصحيّح =
5.71 =
ويدلّ المنحنی التالي علی نسبة مجموع الأفعال والصفات في شعر الصحيّح:
نموذج من تطبيق معادلة بوزيمان علی 10 أبيات مِن شِعر الساعديّ
وإذا القلب والعيون استقاما |
| في بلادٍ بهيئة الإنسان |
منح الماء سرّه و تسامَی |
| هو والشمس في اصطياد المعاني |
يورق الصوت من صداه ويمتدّ |
| حرير الکلام في الأغصان |
(دافئاً) کان صوته وهو يمشي |
| ينثر الصيف من خيوط الأذان |
ولهذا ترکت صمتي وصوتي |
| خلف بابي فالصوت صوتٌ (ثانِ) |
وأبحتُ المساء موال قمحٍ |
| للفتی (القادمِ) (الذي) لا يراني |
ومضی العمر کلّ شيء تلاشَی |
| ويظلّ المکان نفسَ المکانِ |
فيجيء الفتی (الذي) في الوصايا |
| وهو يجتاح کرنفال الدخان |
ويمتدُ (موغلاً) في المرايا |
| يزرع الماء في شفاه الثواني |
وهو ذاك القديم خمسون قرناً |
| الحضارات والصدی شاهدانِ |
(الساعدي، 2018م: 86)
وبإحصاء عدد الأفعال والصفات في کلّ عينة الساعديّ، يمکن التوصّل إلی الجدول، والنسبة التاليَين:
الجدول 2-VAR في شعر الساعدي
عدد الأبيات الداخلة في الإحصاء | عدد الأفعال | عدد الصفات | ن ف ص |
55 | 120 | 27 | 4.44 |
= نسبة الفعل إلی الصفات (ن ف ص) في شعر الساعديّ =
4.44 =
ويدلّ المنحنی التالي علی نسبة مجموع الأفعال والصفات في شعر الساعدي:
موازنة (ن ف ص) في شِعر الصحيّح والساعدي
وإن أردنا موازنة أسلوب الشاعرين، وتبيين تأثير العوامل الخارجية علی نصوصهما الأدبية، سوف يرشدنا الجدول المتضمّن نسبة أسلوب الشاعرين نحو مستجدّات الدراسة.
الجدول 3- موازنة أسلوب الشاعرين
الشاعر | عدد الأبيات الداخلة في الإحصاء | عدد الأفعال | عدد الصفات | ن ف ص |
جاسم الصحيح | 55 | 120 | 21 | 5.71 |
عارف الساعدي | 52 | 120 | 27 | 4.44 |
الجدول 4- النسبة المئوية لکلّ المعطيات
الشاعر | الکلمات الداخلة في الإحصاء | النسبة المئوية لعدد الأفعال | النسبة المئوية لعدد الصفات |
جاسم الصحيح | 141 | 85% | 15% |
عارف الساعدي | 147 | 82% | 18% |
ويدلّ المنحنی التالي علی معدّل (ن ف ص) في شعر الصحيّح والساعديّ:
فإنَّ إمعان النظر في عيّنات الدراسة، وتحليلها علی أساس نتائج المعادلة والجداول والمنحنيات، يوصلنا إلی الفوائد التالية:
_ إنّ النصوص المدروسة لم تکن منطوقة، ولا تُعدّ ضمن إحدی اللهجات العربية، وذلك ما يؤثّر في انخفاض نسبة (ن ف ص) في النصّ، ولکن يقابل هذين الأمرين ميزات أخری تؤثّر في ارتفاع نسبة الفعل إلی الصفة، وهي أنّ النصوص المدروسة نصوصٌ شعريّة لا نثرية، کما أنّها أدبيّة لا علمية.
_ إنّ مؤثّر الجنس له دورٌ مهمّ في تبيين وجوه الاختلاف بين الشعراء، ولکن بما أنّ الشاعرَين رجلان، فذلك يخفض من درجة الاختلاف بينهما إلی حدّ کبیر. کما أنّ للعمر کذلك تأثيراً بالغاً في مقياس بوزيمان، والشاعران يُعتَبَران مِن جيل واحد تقريباً، وذلك يزيد من تقارب نتائج (ن ف ص) بينهما أيضاً.
_ مع أنّ اختلاف العمر بين الشاعرين لم يکن کبيراً، ولکن إن أخذنا ذلك بعين الاعتبار، نجد أنّ التصنيف قد يخالف النتائج المرتقبَة، فإنّ جاسم الصحيّح هو أکبر عمراً، ولکن نسبة (ن ف ص) تصل عنده إلی 5.71 وهي أکثر من وجودها عند عارف الساعدي الذي يصغره عمراً، فهي عند الثاني 4.44 . وبعد إمعان النظر في نصوص الشاعرين، يمکن التوصل إلی مؤثّر آخر مدّ بساطه علی النتائج الإحصائیة، وهو مضمون النصوص المدروسة، فبما أنّ الشاعرين من جيل واحد، وأثر العمر ضئيل في ظهور الاختلاف بين أسلوبهما، يبرز الاختلاف من کون شعر الصحيّح غزلاً غنائياً، وشعر الساعدي اجتماعياً يتحدّث عن فئة الفقراء من المجتمع. فيری بوزيمان أنّ الشعر الموضوعي یقلّ عن الشعر الغنائي بنسبة الأفعال إلی الصفات، وقد حدث ذلك في النصوص المدروسة فعلاً.
_ إنّ شعر الساعديّ يتمتّع بعدد أفعال متساوٍ مع شعر الصحيّح، وذلك يبين تأثيرات العمر والجنس المشترکين بينهما. ولکن شعر الساعدي يتحدّث عن الفقر الذي يعمّ العراق، والأحداث المفاجئة التي حرمت الناسَ من نومهم فأبقتهم يتمنون النوم المشبع. کما کان الصحيّح يحلّق في شعره إلی خارج المادة عند مخاطبة حبيبته حيث يقول:
صوتان غاصا معاً في عمق أمسيةٍ |
| بيضاء يختلسانِ الجوهرَ النَّضِرا |
لم تَدْرِ جُرأتُنا في أيّ زاوية |
| من المکان دفَنّا الخوفَ والحذَرا |
نکادُ نسمعُ فيما نحنُ نسمعهُ |
| ماءَ اليقين علی الأرواح مُنهمرا |
حلَّ المجونُ قليلاً مِن مآزِرِهِ |
| ثارَ الجنونُ وثديُ الرغبة اعتُصِرا |
(الصحيح، 2018م: 49)
ولکن الساعدي يحاول أن يعيش الواقع أکثر من الصحيّح، فيصوغ شعره متأثّراً ببيئته، حيث ينشد قائلاً:
أطفالها لم يناموا منذ أن رُسِموا |
| فهل سيرسم نوماً مشبعاً وکری |
وهل سيرسم أمّاً حضنها وطنٌ |
| ينام في دفئه مَن أدمَن السَّهَرا |
أمّاً تفيضُ مواويلاً وأدعيةً |
| وحين تنعی وتبکي يشبع الفقرا |
(الساعدي، 2018م: 81)
فإنَّ أماني المواطن العراقي، ومعاناته ظاهرة في ما ذُکر من الأبيات. وکذلك تُظهر بعضُ مفردات البيئة العراقية کالمواويل، والنعي، والتمر، والصيد والدخان و... أنَّ الشاعر يستلهم المعاني والمصادر للصور مما يشاهده ويشعر به کفردٍ عراقي، ثم ينقله دون تکلّف. وهذا ما جعل نسبة الفعل إلی الصفة تقلّ في شعره بالنسبة إلی جاسم الصحيّح.
_ إن ترددّ الصحيّح بين الماضي والحاضر في تبرر مواقفه لحبيبته، والتعبير عن الحدث المتضمّن في أوصافه، جعل عدد الأفعال في شعره يرتفع حتّی (120)، کما کان للتعبير عن الأماني المرسومة، والماضي والحاضر المدمّر في العراق أثر في ارتفاع عدد الأفعال في شعر الساعدي إلی (120) أيضاً.
_الاختلاف الأسلوبي الإحصائي بين الصحيّح والساعدي في عدد الصفات فقط، بحيث يفوق الساعديُّ علی الصحيّح بستة صفات، وذلك يعني المستوی المتشابه، والميل القليل في انخفاض العاطفة الشعرية عند الساعديّ. وهو نتيجة المعاني الحقيقية والموضوعية المستخدمَة في شعره، وتأثره بالمعاناة المذکورة التي يعاني منها أهل العراق.
_إن أمعن النظر في کلمات الانفعال التي استخدمها الصحيّح (الأفعال)، يتضح أنّ أکثرها تدلّ علی غرضه الشعري الذي رفع أدبية قصيدته علی أدبية قصيدة الساعديّ. فأفعال يغري، التقَينا، ألمس، أهوی (10مرات)، أصافح، آنست، تعالي، لا تترکي، رآها، وما شابهها جعلت القصيدة تأخذ طابعاً غنائياً يزيد من التعبير بالحدث والتأثر بالخيال اللذين رفعا نسبة الأسلوب الأدبي لدی الشاعر. أمّا الصفات المستخدمة في عيّنته المدروسة فلا تدلّ علی إحساسه المنفعل بميزان الأفعال، کما لا تدلّ أکثرها علی الغرض أو الانفعال مباشرةً، وتحتاج إلی کلمات وجمل أخری تربطها بغرضها المراد في القصيدة. فمفردات منهمر، لافتة، منکسر، مستتر، منذعر، وغيرها في هذا المضمار، لا تدلّ وحدها علی الموضوع الغنائي للقصيدة، ولا تلعب دوراً في ارتفاع نسبة أدبية النص، ولکن وجود الأفعال بمجاورتها يرفع من قيمة الجملة الأدبية. ففي البيت الآتي کلمة (منذعر) قد لا تعني الغرض المراد:
يا لوحةً مِن سکون حين ألمسها يکاد يفزع فيها اللون (منذَعِرا)
أهواكِ أهوَی طريقَ البحر شارکنا علی الشواطئ مِن أحلامنا سفرا
لکن أفعال ألمس، أهوی (مرتين)، رآها، شارك، وسياق الجمل، جعل المفردة تتحوّل إلی ما يخدم الغرض والموضوع معاً.
_وکذلك الکلمات المعبّرة عن الحدث (الأفعال) عند الساعديّ، يدلّ کثير منها علی غرضه الموضوعي، منها: کَسَّرَ، ما استطعتُ، أراقَ، عافَ، لم يناموا، تنعَی، تبکي، ملَّ، تلاشَی، تعاني، جفَّ و... فإنَّ هذه المعاني وحدها يمکن أن تعبّر عن إحساس الشاعر وموضوع قصيدته، فهو انفعل بأفعال تصوّر المعاناة والحزن واليأس. وهي قد أثّرت تأثيراً مباشراً علی ارتفاع نسبة الأفعال والعاطفة في شعره، کما ساعدت في مواضع أخری في ربط الصفات بموضوع الشعر وسياقه.
الخاتمة
توصّل البحث إلی النتائج التالية:
_ بين الأبيات التي تمّت دراستها، تم استخراج (141) کلمة مستخدمة في شعر الصحيّح وفق معايير بوزيمان، وهي تنقسم إلی (120) فعلاً، و(21) صفةً. وذلك يعني أنّ نسبة العاطفة الشعرية أو الانفعال في شعر الصحيّح وصلت إلی (85%). بينما کانت الکلمات المستخرجة من شعر الساعدي (147) کلمة. وهي تتوزّع بين (120) فعلاً، و(27) صفةً. وهي تعني نسبة (82%) من العاطفة الشعرية أو الانفعال في شعر الساعدي. النسبتان المتوصّل إليهما في الفقرة الآنفة، لا تظهران اختلافاً کبيراً بين أسلوب الشاعرين. فعدد الأفعال عند کلٍّ منهما (120)، والاختلاف يکمن في ستّة صفات لا أکثر. وهي لا تعني فرقاً شاسعاً بين الأسلوبين.
_ کان شعر جاسم الصحيّح المدروس غزلاً. ومحاولة الشاعر في التحليق إلی خارج الحقيقة، واستخدامه الأفعال، واستذکاره الماضي البنفسجي بينه وبين حبيبته، ورجوعه إلی الحاضر وتبرير ما فات، کان له تأثيرٌ واضحٌ في (ن ف ص) في شعره. أمّا الساعديّ فقد کان شعره عبارة عن لوحة ترسم أمنيات الشعب. وأثر ذلك يتبيّن من خلال کلماته وصوره المأخوذة من الحقيقة، والمعاناة التي يعيشها المواطن. فاستخدام الشاعر للأفعال الماضية في تصوير الأماني جعل عاطفته الشعرية ترتفع إلی نسبة عالية، کما کان لوصف الواقع الملموس دور في نسبة توظيف الصفات في الشعر.
_ بما أنّ قصيدة الصحيّح کلها تشبيب وغزل، لم يتطرّق الشاعر فيها إلی حدث يخصّ بلاده أو بلاداً أخری، فاکتفَی بالوصف والخيال فقط. لکنّ الساعديّ قد بيّن تأثّره بالواقع الذي يمرّ به وطنه العراق في مواضع عديدة. فالحروب والطائفية اللتان أفقدتاهم الأمان، والدخان، والسهر، والجوع، والنفي، والبکاء، والحزن، والنعي والهجرة التي خلفتها تلك الحروب، في الشعر جعلت عدد الأفعال يرتفع حتّی التساوي مع عدد الأفعال في قصيدة الصحيّح الغزلية.
المصادر والمراجع
أمرائي، محمد حسن. (1399ش). «دراسة أسلوبیة إحصائیة للمعلقات السبع في ضوء معادلة بوزیمان معلقة عمر بن کلثوم والحارث بن حلزة أنموذجاً»، مجلة بحوث في اللغة العربیة، العدد 23، صص 196-179.
أمرائي، محمد حسن؛ رضائي، غلام عباس. (1400ش). «شعر النقائض الأمویة، دراسة أسلوبیة إحصائیة في ضوء اللسانیات الکمیة (نقیضة الفرزدق وجریر أنموذجاً)»، مجلة پژوهشنامه نقد أدب عربي، العدد 22، صص 55-27.
أميدوار، أحمد؛ آخرون. (1399ش). «ادبیت هاشمیات کمیت اسدي وحجازیات شريف رضي در سنجة معادلة بوزيمان»، پژوهشنامه نقد ادب عربي، العدد 20، صص 29-6.
بن دریس، سامية. (2018م). «الأسلوبیة الإحصائية لدی سعد مصلوح»، مجلة العلوم الإنسانیة، العدد 50، صص 238-227.
بن دریس، سامية؛ آخرون. (2016م). «المنهج الإحصائي وأدبیة النص دراسات سعد مصلوح نموذجاً»، مجلة اللغة الوظيفية، العدد 2، صص 158-125.
بهروزي، مجتبی؛ حبیبي، علي أصغر. (1397ش). «تحليل ومقایسه سبک شخصیت پردازی رمانهای عصفور من الشرق والشحاذ بر اساس فرضیه بوزیمان»، مجلة زبان وادبیات عربي، العدد 18، صص 36-1.
جيرو، بيير. (1972). الأسلوبية، ترجمة؛ منذر عياشي، ط1، حلب: مرکز الإنماء الحضاري.
الحسن، عبدالله. (1418ق). ليلة عاشوراء في الحديث والأدب، ج1، ط1، بلا د.
خفاجي، محمد عبدالمنعم؛ آخرون. (1992). الأسلوبية والبيان العربي، ط1، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
ربابعة، موسی. (2003م). الأسلوبية مفاهيمها وتجلياتها، الأردن: دار الکندي.
روستائي، حسين؛ صدقي، حامد. (1394ش). «دراسة أسلوبية لمدائح المتنبي وابن هانئ الأندلسي في ضوء معادلة بوزيمان»، مجلة اللغة العربية وآدابها، العدد 4، صص 613-597.
الساعدي، عارف. (2018م). الأعمال الشعریة عارف الساعدي، بغداد: سطور.
سهام، ألمی؛ لیندة، حامة. (2017م). «مقارنة أسلوبية إحصائية لقصيدة الوعد الحق للشاعر خليفة بوجادي»، مجلة جامعة عبدالرحمن-میرة بجایة، صص 53-1.
الصحيح، جاسم. (2018م). أعمال شعرية، ج3، ط2، السعودية: أطیاف للنشر والتوزیع.
صدقي، حامد؛ آخرون. (1396ش). «تحلیل سبك شناسي آماري بخشي از رسالة التواابع والزوابع ابن شهید ورسالة الغفران معري بر اساس معادله بوزیمان»، مجلة فصلنامه زبان پژوهي دانشگاه الزهرا، العدد 22، صص 148-127.
العرجا، جهاد یوسف. (2008). «الأسلوب بین الرجل والمرأة دراسة لغوية إحصائية»، مجلة اللغة والأدب، العدد 23، صص 24-1.
المسدي، عبدالسلام. (1982). الأسلوبية والأسلوب، ط3، القاهرة: الدار العربية للکتاب.
فرهمندپور، زينب؛ آخرون. (1391ش). «یک سیستم نوین هوشمند تشخیص هویت نویسنده فارسی زبان بر اساس سبک نوشتاری»، مجلة محاسبات نرم، العدد 2، صص 35-26.
فلاحتي، صغری؛ آخرون. (1393ش). «دراسة أسلوبية إحصائية لنماذج من مقامات الهمذاني واليازجي في ضوء معادلة بوزيمان»، مجلة إضاءات نقدية، العدد 16، صص 136-117.
متقي زادة، عیسی؛ آخرون. (1440ق). «الموازنة بین نهج البلاغة والصحيفة السجادية علی أساس الأسلوبية الإحصائية وفقاً لنظريتي بوزیمان وجونسون (الرسالة 74 والدعاء 38 نموذجاً)»، مجلة آفاق الحضارة الإسلامیة، العدد 2، صص 157-131.
مجتهد زادة؛ آخرون. (1440ق). «لغة الشعر عند جاسم محمد الصّحیِّح»، مجلة نشرية آداب الکوفة، العدد 40، صص 248-211.
مصلوح، سعد. (1992م). الأسلوب دراسة لغویة إحصائیة، ط3، القاهرة: عالم الکتب.
مصلوح، سعد. (1993م). في النص الأدبي دراسة أسلوبية إحصائیة، ط1، القاهرة: عالم الکتب.
ناعمي، زهرة؛ ترابي حور، لیلا. (1398ش). «بررسي أدبیّت مجموعه شعری "قالت لي السمراء" نزار قباني و"رستاخیز" سیمین بهبهاني بر اساس معادله بوزیمان»، مجلة کاوش نامه ادبیات تطبیقي، العدد 4، صص 143-123.
نظري، یوسف. (1397ش). «ساز وکارهای سبک شناسی آماری در سبک سنجی نقد کتاب في النص الأدبي دراسة أسلوبية إحصائية»، مجلة پژوهش نامه انتقادي متون وبرنامه هاي علوم انساني، العدد 4، صص 307-291.
وغليسي، يوسف. (2008م). إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ط1، الجزائر: منشورات الاختلاف.