قراءة دلالية لأشعار سنية صالح في إطار المستوى المعجمي والصوتي والبلاغي
الموضوعات : Literary criticismسجاد صدقی کلوانق 1 , گلاویژ شیخی 2 , علی قهرمانی 3
1 - طالب الدکتوراه في قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشّهید مدني بأذربیجان، تبریز، ایران
2 - طالبة الدکتوراه في قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشّهید مدني بأذربیجان، تبریز، ایران
3 - أستاذ مشارك في قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشّهید مدني بأذربیجان، تبریز، ایران
الکلمات المفتاحية: الدّلالية, الدلالة المعجميّة, الدلالة الصوتيّة, الدلالة البلاغيّة, سنية صالح. ,
ملخص المقالة :
تعتبر الدّلاليةُ إحدى فروع من الأبحاث اللّغوية وتَستهدِفُ تببينَ دلالات المعنى في اللّفظ وکيفية علاقة اللّفظ بالمعنى والكشف عن ستائر مخفية في خلف الألفاظ. هذه الدّراسة تحاول الإبراز والكشف عن المعنى والدّلالات الكامنة وراء ظواهر الألفاظ من خلال المستويات اللغويّة في أشعار سنية صالح بالمنهج الوصفي-التّحليلي وترتكز على المستوى المعجمي والصوتي والبلاغي من بينها. يُشارُ في المستوى المعجمي إلى الحقول الدّلالية ودورها المهم في تبيين المعاني والمقاصد الخاصّة للأديبة. هنا تَستَفادُ الشاعرة من هذه الحقول الدّلاليّة وتُصوِّرُ مشاعرَها وعواطفَها الدّاخليّة بصورة عينية ورمزية حتّى تَضعَ المتلقيَّ في جو ملموس تماماً لوصوله إلى المعنى المقصود. في المستوى الصوتي تَستخدِمُ الشاعرة الموسيقيّ الخاص والإيقاع الرائع للحروف والكلمات وفقاً لنواياها ومقتضی الحال، ولهذا توظيفُ الحروف والأصوات المهموسة والرخوة في بعض مقاطع الشعر بالإضافة إلى الموسيقي الداخلي لها، يُشيرُ إلى الحزن والأسى والحب في نفس الشاعرة وکذلك إستخدامُ الحروف والأصوات المجهورة والشديدة یدلّ على الإنفعال وإحتجاج الشاعرة على مشاكل المجتمع ومفاسده بصورة رمزيّة. وأيضاً في المستوى البلاغي، إنَّ التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية من أهم المحسّنات البيانيّة المستعملة لتسليط الضوء على الكلام وإبراز المعانى المقصودة، وبهذا المنهج، تَضعُ الشاعرة المفاهيم العقليّة كالحزن والعشق والحرب وفساد المجتمع وضياع الحقوق الإنسانية، أمام عيون القارئ بشكل ملموس وتُزيّنُ كلامَها وتؤثّر في المتلقيّ تأثيراً كثيراً وعميقاً.
إن کلمة الدلالة "semantiquee" قد اشتقت من الکلمة الیونانیة "semainol" (دل – عنی)، وهي نفسها مشتقة من "sema" (دال). وقد کانت في الأصل صفة تدل علی کلمة "معنی": إن أي تغیر دلالي هو تغیر معنوي، وإن القیمة الدلالیة للکلمة تکمن في طيات معناها. ونحن ننطلق من الکلمة لنطبق القیمة علی أي إشارة. ولذا نتکلم أیضاً عن الوظیفة الدلالیة للألوان في لافتة ما، أو في البوارج البحریة، کما نتکلم أیضاً عن القیمة الدلالیة للحرکة والصرخة، أو عن أي إشارة نستخدمها في نقل رسالة ما أو حین نتواصل مع الآخرین. وعلی هذا، فإن کل ما یتعلق بمعنی إشارة الإیصال، وبصورة خاصة بمعنی الکلمات یعتیر من الدلالة. (جیرو، 1988م: 16) السید شریف الجرجاني يعرف الدلالة في العلم القديم بتعريف مقتضب وشامل فیقول: «الدلالة هي کون الشيء بحالة یلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدالّ، والثاني هو المدلول، وکیفیة دلالة اللفظ علی المعنی باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص، وإشارة النص واقتضاء النص.» (الدایة، 1996م: 8) ویعرّفها بعضهم بأنها «دراسة المعنی أو ذلک الفرع من علم اللغة یتناول نظریة المعنی أو ذلک الذي یدرس الشرط الواجب توفرها في الرمز حتی یکون قادراً علی حمل المعنی.» (مختارعمر، 1998م: 11) والحاصل من کل هذا، أن بؤرة «الدلالة» في عوالم الإنسان موجودة في العرف والإستعمال والتواضع، لا في مضمون العلامة نفسها فقط، بل إنها منتشرة في کل «الوقائع» فهي في اللغة والصورة والطقوس الإجتماعیة وهي في اللّباس وطریقة الاستقبال أیضاً، وتلک خاصیة من خاصیات الإنسان أیضاً، کل ما یلمسه یتحوّل إلی علامات، فذلک بأن الوجود الإنساني دهین بوجود التجارة للعلامات أي تعمیم للمعاني. (تامبا، 2018م: 6)
فعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن «علم الدلالة هو أحد فروع علم اللغة أو اللغویات أو اللسانیات. وهو من أهم هذه الفروع وأعقدها وأمتعها في آن واحد فهو هام لأنه یبحث في المعنی الذي هو الوظیفة الرئیسة للغة وهو معقد لأنه یبحث في أمور مجردة متشعبة ذات طبیعة فلسفیة نفسیة. وهو ممتع لأن اقتحامه، علی ما فیه تعقید، یعطي الباحث متعة ذهنیة راقیة.» (الخولي، 2001م: 11)
للدلالة حقول والحقول الدلالیة مجموعة من الکلمات التي ترتبط بعضها ببعض في دلالة مشترکة مثل حقل الألفاظ الخاصة بأعضاء الإنسان (عین، رأس، فم، ید، شعر) ومثل حقل کلمات الألوان (أحمر، أصفر، أخضر، أزرق). فلذا يمكن القول بأن «هدف التحلیل للحقول الدلالیة، هو جمع کل کلمات التي تخض حقلاً معیناً والکشف صلاتها الواحدة منها بالآخر وصلاتها بالمصطلح العام.» (حسن جبل، 2005م: 160)
إن سنیة صالح من أبرز الشعراء السوریین المعاصرین ولكن لم تحظ أشعارها باهتمام کبیر من جانب الباحثین. یمکن فحص أشعارها من نواحٍ مختلفة. معتبراً بأن الشاعرة قد استخدمت اللفظ في خدمة المعنی، وعناصر الدلالة في قصائدها جدیرة بالملاحظة، فمن هذا المنطلق، یهدف هذا البحث بتوظیف المنهج التحلیلي- التوصیفي إلی بیان عناصر الدلالة لقصائد سنیة الصالح في المستوى المعجمي والصوتي والبلاغي لیکشف عما یحمل في طیاتها من خلال فحص طبقات الألفاظ وتبيين دور الدلالة في فنها الإبداعي.
أسئلة البحث
1. ما هي العناصر الدلالية في قصائد سنیة صالح؟
2. ما هي معاني الدلالات وراء الكلمات والألفاظ في أشعار سنية صالح وما هو هدف الشاعرة من إستعمال هذه الدلالات؟
فرضيات البحث
1. استخدمت الشاعرة في أشعارها من الحقول الدلالية في الدلالة المعجمية ومن أهمها هي دلالة أجزاء الإنسان ودلالة الألوان ودلالة مكونات الطبيعة. هي استعملت في الدلالة الصوتية من الأصوات المجهورة والمهموسة والشديدة والرخوة وفق الجو السائد في القصيدة وسياق الكلام ومقتضي الحال، وأيضاً التشبيه والمجاز والإستعارة والكناية من أهم الصناعات البلاغية المستعملة في قسم الدلالة البلاغية.
2. إن الإحتجاج والحزن والألم والكآبة واليأس والعطوفة والفرح والعشق من أهم معاني دلالات الألفاظ في قصائد سنية صالح. هي تستهدف من وراء الألفاظ والأصوات، الإحتجاج على الحرب والفساد وعدم الحرية في الوطن العربي. هي بسبب مرضها والبعد عن المعشوق، تشعر الحزن والكآبة واليأس وكذلك في بعض الأحيان بسبب زيارة الأقرباء والأولاد، تشعر الفرح وهدوء النفس. وفي النهاية يمكن القول بأن التحدّث عن العشق ومعاناة العشاق وآلامهم، البؤرة المركزية التي تدور عليها أفكار الشاعرة.
خلفیة البحث
هناک أبحاث ودراسات بالنسبة لأشعار سنیة صالح تجدر الإشارة إلیها:
مقالة برهم، لطیفة إبراهيم. (2010م). بعنوان «سنیة صالح موقع الشعر ودلالة الاختلاف»، هو یتخذ من شعر سنیة صالح متناً له، یشغل علیه؛ لیحدد موقع الشعر ودلالة الاختلاف التي لا تتأتي من خروج التجربة الشعریة للشاعرة مع حرکة الحداثة الشعریة العربیة علی نظریة عمود الشعر العربي، بل تتأتي من خروجها علی قیم الحداثة العربیة نفسها خروجاً ترصده عبر محورین: المغایرة والاختلاف وتخطي الخطاب الأیديولوجي وهما محوران یجسدان الصوت الشعري الخاص لسنیة صالح. شمس الدین، بروانه. (2016م). في رسالة ماجستير تحت عنوان «شعر سنیة صالح (التعريف وتحلیل المحتوى)» تعالج محتوی قصائد سنیة صالح علی شکل موضوعات مثل الطبیعة والحب وقصائد المقاومة. صبری، محمد. (2022م). في مقالة «دراسة مقارنة لمظاهر المقاومة في شعر سیمین بهبهاني وسنیة صالح» یعالج مقومات المقاومة في شعر هاتین الشاعرتین. مقالة فروزان کمالي، آمنة وآخرون. (2022م). بعنوان «دینامیة الوظیفة التعبیریة في أشعار سنیة صالح وطاهرة صفارزادة»، یحاول الباحثون في هذا البحث أن یعالجوا قصائد هاتین الشاعرتین من خلال الترکیز علی الوظیفة التعبیریة والإعتماد علی المدرسة الأمریکیة في الأدب المقارن. ولکن بناءً علی البحث في مختلف المواقع والمجلات، تم الحصول علی أنه لم یتم حتی الآن إجراء أي بحث في دلالة قصائد سنیة صالح في المستوي المعجمي والصوتي والبلاغي ولکن من أقرب الأبحاث المتعلقة بهذا البحث وحول الدلالة، یمکن ذکر ما یلي: حريرچی، فیروز وسیدة رقیة مهري نژاد. (2011م). في مقالة «علم الدلالة للألفاظ العربیة في «البیان والتبین» عند الجاحظ» حاول في إثبات وثاقة أخبار المتقدمین وإتقان الأسالیب الّتي استخدمها الجاحظ کأحد المتقدمین في بیان الألفاظ وتفسیرها. روشنفکر، کبرى ودانش محمدي. (2012م). في مقالة «قصیدة ابن الرومي في رثاء ولده؛ دراسة دلالیة» تکشف عن الدلالات الکامنة وراء الظواهر اللغویة في قصیدته وارتکزت علی أربعة مجالات لغویة: المعجمي والصوتي والنحوي والصرفي. عنافجه، مهین وصادق ابراهيمي كاوري. (2017م). في مقالة «الدلالة المعجمیة في قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل» استنتجت إمکانیة أمل دنقل في توظيف الألفاظ ضمن الحقول الدلالیة أو المعجمیة.
منهجية البحث
تم إجراء هذا البحث على أساس المنهج الوصفي - التحليلي واستهدف فيه الإبراز والكشف عن المعنى والدّلالات الكامنة وراء ظواهر الألفاظ باستخدام المصادر المكتبية عبر ذكر النماذج الشعرية من قصائد سنية صالح ومعتمداً على توظيف علم الدلالة في المستوى المعجمي والصوتي والبلاغي.
الإطار النظري للبحث
تعتبر الأبحاث الدّلاليّة إحدى فروع من الأبحاث اللّغويّة وتَرجِعُ جذورها بآراء العلماء والمفكرّين الإسلاميّين وكتبهم اللُّغوية والبلاغيّة. ولكن تَكَوَّنَت هذه الأبحاث في العصور الأخيرة بشكل علم خاص ومنهجيّ في أطُر وأصول معيّنة بواسطة العلماء والمفكّرين الغربيّين. في الحقيقة «تبلور مصطلح علم الدلالة على يد عالم اللغة بريل "Breal" وقد وضع بريل هذا المصطلح "Semantique"، ليميز دراسته هذه، عن غيرها من الدراسات اللغوية، وليعبر به عن فرع من فروع علم اللغة العام.» (عوض حیدر، 2005م: 12) اختلف العلماء في تعريف علم الدلالة ويعرّفه بعضهم بأنه «دراسة المعنى أو العلم الذي يدرس المعنى أو ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى أو ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى.» (مختار عمر، 1998م: 11) ولكن يمكن القول بأن المعنى، بؤرة مركزية في تعريف علم الدلالة ويدور هذا العلم حول المعنى وكيفية الوصول إليه.
أنواع الدلالة في أشعار سنية صالح
الدلالة المعجمية
إن الدلالة المعجمیة هي دلالة الکلمة التي استخدمت بها في المجتمع مفردة أو في ترکیب سواء أکان المعنی حقیقیاً في أصل الوضع، أو مجازیاً منقولاً عن معنی حقیقي. فالمعجم یبحث معني الکلمة بذکر معناها أو مرادفها أو مضادها أو ما یفسرها، وقد یقدم معلومات عنها کأصل الوضع وتطورها التاریخي ومشتقاتها، وقد یذکر بعض السیاقات اللغویة التي توضح دلالتها، وقد یکون موجزاً، فیکتفي بذکر المعني دون شواهد توضحه، وقد یفسر المعنى بنقیضه، أو یبین علة تسمیته بهذا الإسم. (عکاشة، 2007م: 157)
بما أن الشعر العربي المعاصر له وحدة عضویة فإن جمیع مکوناته، له معنی بالنسبة إلی المکونات الأخری فلهذا، تتمتع قصائد سنیة صالح، مثل معاصریها بوحدة عضویة ونری أحیاناً أنها إستخدمت في بعض قصائدها رموزاً دلالیة. وهي من الشعراء الرومانسیین الذین يمیلون إلی الرمزیة في بعض القصائد، فلذا فإن الکلمات المستخدمة في قصائد سنية صالح تحتاج إلی دراسة في مجال الدلالة المعجمیة. ولهذا قد وزعنا ألفاظ قصائدها وفق الحقول الآتیة:
1. حقل الدّال علی أجزاء الانسان
إن معنی حقل الدال علی أجزاء الانسان هي الکلمات التي تتعلق بالإنسان. فکلمات: "الرأس والحاجب والفم والعین والید والرجل والقلب و..." تندرج تحت ما یسمی باسم "حقل الدّال علی أجزاء الانسان". وهناک مقاطع کثیرة في قصائد سنیة صالح تشیر إلی أجزاء من جسم الإنسان. بالإضافة إلی کونها عامل في تماسک الکلمات والعناصر داخل النص، فإنها تلعب دوراً مهماً في فهم النص. علی سبیل المثال، یمکن ذکر المقاطع الآتیة:
«کنا نُسرع تحت المطر/ نسرعُ ولا شمسَ لنا/ ننشرُ تحتها أجسامنا الرطبة/ لا شمسَ لهذه البنفسجات/ ذاتِ الأعناقِ الملویة/ بأقدامنا المُنهکَة/ کشفنا الصقیعَ عن وجوه/ الموتی.» (صالح، 2008م: 37)
استخدمت الشاعرة الأعناق للبنفسجات وهنالم یتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي. تشبه الشاعرة نفسها وحبیبها بالبنفسجات التي لا تشرق علیها الشمس وهذه البنفسجات لها أعناق ملتویة وبهذا الطريق تعبر الشاعرة عن حزنها وألمها الداخلي من خلال استخدام الإستعارة المصرحة وحسن التعلیل وترید أن تقول بأن السبب في أعناق البنفسجات الملتویة هو الحزن والألم العمیق. وأمّا في دلالة الأقدام للشاعرة وحبیبها وکذلک وجه الموتی، اتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي. إن المصطلحات الشعریة لسنیة صالح تنبع من حیاتها الشخصیة وأحاسيسها الذاتیة التي تمازجها بالخیال وتنسج من الخیال عالماً ملوناً بالتفاؤل والأمل؛ لکن الجو الحزن یخیم علی کل قصائدها، فهذا الحزن المتوحش ینبثق من الجوهر الأنثوي کما تقول في المقاطع التالیة:
«لا تأتني اللیلة کخفّاش حزین،/ حاشراً رأسک بین حاجبي،/ لقد انکرنا بعضَنا ساعات الیأس/ والاندحار،/ عبثاً یرتطم الوجه بالوجه/ أو القلب بالقلب،/ دع النار في رقادها/ أو لتشتتها الریح حیث تشاء/ لا شيء قادر أن یدفئ تلک العینین/ الباردتین/ جمیع الجهات خانتنی/ ومتاعي ملموم تحت إبطي/ تثاءب... تثاءب.../ علّ ذلک اللیل یمضي،/ أنت تُسرعُ وهو یفوقک سرعة.» (نفس المصدر: 83-82)
وأمّا العلاقة الدلالیة بین (الرأس والحاجب) فهي علاقة الجزء من الکل لأن الرأس فیه حاجب وهنا اتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي وفي الموضع الثانی (الوجه والقلب) لا یتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي. استخدمت الشاعرة هذه الکلمات بشکل الکنایة وهنا "یرتطم الوجه بالوجه أو القلب بالقلب" إشارة إلی فعل شيء عبث وفي الموضع الثالث لایتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي لأن كلمة "العین" في هذا السیاق تدل علی الکنایة وهي بأنه لا شیء سیعید له السلام. وفي الموضع الرابع "جمیع الجهات خانتني" هنا أیضا لا یتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي لأن الشاعرة ترید أن تقول بأنه لا أحد من أعضاء جسدها، یساعدها ولایشارکها في حزنها وفي الموضع الخامس لا یتفق المعنی المعجمي في کلمة "إبطي" مع المعنی الإیحائي وهنا أیضاً تستخدم الشاعرة، العبارة بشکل کنائي.
وهنا یبدو بأن سنية صالح ترید أن تقول عندما یحزن الإنسان فإن جمیع أجزاء جسده يشترک في هذا الحزن والکآبة، کما یمکن فهم ذلک من خلال هذه الجملة "جمیع الجهات خانتني" وکذلک عبارات مثل "لاتأتني اللیلة کخفّاش حزین"، "الاندحار"، "عبثاً یرتطم الوجه بالوجه أو القلب بالقلب"، "لتشتتها الریح"، "لا شيء یدفئ تلک العنین"، "متاعي ملموم تحت إبطي"؛ لکن أعضاء جسدها علی عکس الآخرین لا تتعاطف معها ولاتشارکها في حزنها. یحکي کل منها، الحزن العمیق للشاعرة وهي ترید بهذه الطریقة أن تعبر عن خلجاتها وأحاسیسها النفسیة.
2. حقل الدّال علی مکونات الطبیعة
إن معنی حقل الدال علی مکونات الطبیعة هي الکلمات التي تتعلق بالطبیعة. فکلمات: "االطیر والشجر والشمس والنجم والورد والسهل والبحر و..." تندرج تحت ما یسمی باسم "حقل الدال علی مکونات الطبیعة". الشاعرة استمدت کثیراً من مفردات تتعلق بالطبیعة في بناء لغتها الشعریة ویکون للطبیعة حظ وافر في قاموسها الشعري وفق المذهب الرومانسي، لذلک قصائد سنیة صالح هي وصفة الحب للطبیعة، فهي تجمع بین مشاعرها وعناصر الطبیعة وتعتبر جوانب الطبیعة جزء لا یتجزأ من فکرها. تجسد الشاعرة لنا العالم الخارجي وما فيه بواسطة الخیال وتربط الطبیعة بعالمها الداخلي (النفسي).
«البراري النائمةُ منذ الولادة/ یوقظُها کناريٌّ ضائع/ والأشجارُ المتعَبةُ من الصمت/ ترفعُ سواعدَها المائیة/ لطیور الجلید والبحیرات/ الأشجارُ البائسة تفرشُ أحضانها/ لَحیرة الأرض والخریف/ لغضب النجوم وأحادیثها الطویلة/ عن السفر والصقیع.» (صالح، 2008م: 64)
في المقطع الأول وفي كلمة "البراري"، اتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي ولکن استعمال كلمة "النائمة"، استعمال استعاري وهنا شبهت الشاعرة، الصحاري بالإنسان النائم ویبدو بأن الصحاري نفسها تستخدم کالاستعارة وتعبر عن حیاة المتوترة والقلقة للشاعرة. وفي المقاطع التالي لا یتفق المعنی المعجمي للأشجار والطیور والبحار والأرض والخریف والنجوم مع المعنى الإیحائي وتستخدم هذه الكلمات کالإستعارة، وقد استخدمتها الشاعرة للتعبیر عن أغراضها. وشيء آخر هو أن علاقة هذه الکلمات هي علاقة التناسب. في بعض الأحیان کثرة توظیف الإستعارات والتشبیهات والمجازات تجعل فهم القصیدة صعباً علی المخاطب، حیث تغدو اللغة مشفرة وتتحول إلی طاقة ترمیزیة وتخرج من طبیعتها الوضعیة وتتجه نحو الانزیاح. کما تری الشاعرة، "البراري النائمية" منذ ولادتها فیستیقظها الکناري الضائع والأشجار التي سئمت من الصمت. هذه المقاطع تتبین لنا بأن الشاعرة قد وصفت الطبیعة ومظاهرها بما یتوافق مع حالاتها النفسانیة وعدم ثباتها من خلال لغة الترمیز والتجسيم للمخاطب وهوعالم خیالي وتنقله إلی عمق ذاتها لتفهم معاناتها. کما تقول في قصیدة "أصابع العشاق":
«أیها الرجلُ الشامخ/ کالتاریخ/ اغمرني.. اغمرني بحبک وملحک/ وأًمواجک/ أنا الغابة الملتهبة بالحب/ وأنت طائرٌ یهیم بین جناحیک/ کما تغفو النجوم فوق المیاه الهادئة/ ومع همساتک أغیب کالشمس الذائبة/ کالسهل العاشق زرعه/ تُری، أین یذهب همس الفراق/ حین یفاجئه المطر؟/ ماذا یحلُّ بالنسیم وهو یلامس حزنک؟/ أفقتُ من غیبوبتي حین أضاءتني.» (نفس المصدر: 91)
هنا في کلمة "الأمواج" لا یتفق المعنی المعجمي مع المعنی الإیحائي ولکن استعملتها الشاعرة بشکل مجازي وفي مقطع التالي في کلمة "الغابة" لا یتفق المعنی المعجمي مع المعني الإیحائي و وهنا استخدمت الشاعرة التشبیه والصور وشبهت عشقها بغابة ملتهبة. وفي المقاطع التالي لا یتوافق المعاني المعجمية للکلمات: "الطائر والنجوم والشمس والسهل والمطر والنسیم" واستعملتها في الدور الاستعارِي. کما یتبین من هذه المقاطع، إن الشاعرة هنا تتطلّب من الرجل أو المعشوق بأن يغمرها بحبه وحنانه وینزع عنها أحزانها وبهذا الطريق وأيضاً إستعمال مظاهر الطبیعة، هي تعبر عن مشاعرها وترسم بواسطة المجاز والاستعارة صورة فنیة إبداعیة.
3. حقل الدّال علی الألوان
إن معنی حقل الدال علی الألوان هي الکلمات التي تتعلق بالألوان. فکلمات: "الأحمر والأصفر والأزرق والأبیض والأسود و..." تندرج تحت ما یسمی باسم "حقل الدال علی الألوان". سنیة صالح شاعرة تستخدم کلمات ترتبط بألوان خاصة بذوق النساء وعالمهن. ینعکس هذا في کتاباتها أیضاً. من الفروق بین حدیث وکتابة الأنثی- وهو أمر بالغ الأهمیة - الإختلاف في لون الکلمات. وفقاً لنظرية علماء اللغة، تستخدم النساء جناحاً واسعاً من الألوان في حدیثهن وکتابتهن، لأن النساء أکثر تفصیلاً ودقة في وصف الألوان؛ لکن الرجال یستخدمون الألوان الأساسیة فقط. کما یقول الفتوحي: «تستخدم النساء کلمات أکثر لتسمیة وتمییز الظواهر الصغیرة بدقة، بحیث تکون لدیهن مفردات أکثر من الرجال، وهن یستخدمن مجموعة متنوعة من الکلمات لوصف المشاعر والجمال. فلذا إن تفاصیل المرأة في توظیف الألوان واضحة.» (فتوحي، 1390ش: 405- 404)
«باللون الأخضر الحزین بدأت ربیعاً/ آخر/ الریح هي أمّ اللیل/ والأرض الجریحة مغمورة بالزهور/ کالنعش الصغیر/ والغناء یقوي کضربات/ القلب/لکي تکون عظیماً، أیها العاشق/ تخلَ عن سَوْطک/ وتوارَ في الغابات/ عندما یطلُّ الصیف من أعشاشه البعیدة/ الزرقاء/ یتوهج جسدي بنار الأفکار.» (صالح، 2008م: 85-84)
هنا استخدمت الشاعرة ألواناً تتعلق بمجال المرأة و هي "الألوان الأخضر والأزرق"، والزهر رمز الدم وبدل من اللون الأحمر. تنشد الشاعرة هذه القصیدة باسم "حبر الإعدام" لجولیا أبینولا کاهنة شابة، حکم علیها بالإعدام. هي استعملت الألوان حسب سیاقها الذي وقعت فیه، وبهذه الألوان خلقت جواً من الحزن والأسی. تختار الشاعرة الألوان حسب الموقف والظروف التي توضع فیها. تبدأ حیاتها بالمشاکل من البدایة إلی درجة تأخذ منها القدرة علی التکلم وهي تختار الصمت لعدة سنوات منذ طفولتها وتتدفق کلماتها ومشاعرها علی الورق علی شکل شعر وفق حیاتها الزوجیة الّتي تمر دائماً بمشاکل کثیرة وحزن المنفی والبُعد عن محمد الماغوط وهذه المسألة تضاعف حزنها کما یمکن فهمه من خلال أشعارها.
«الورود سوداء في المنفی/ النسر وحش والغابة کمین/ وعبثاً یصل الفم إلی الفم/ في نقطة لا تطالها الجهات رحت أحفر/ علّني أری جوهرة الحریة/ فنشرب من فم واحد/ أو نقهر معاً/ لکن الغابة بیضاء/ وطعام العصافیر ثلج.» (نفس المصدر: 333)
في هذا المقطع إستخدمت الشاعرة اللونین: "الأبیض والأسود" وهذا التوظیف للألوان یدل علی حیاتها الملیئة بالتوتر والقلق مما أثر علی كتاباتها أیضاً. هنا لا یتفق المعنی المعجمي للأبیض والأسود مع المعنی الإیحائي عند الشاعرة لأن استخدام کلمتین "الأسود والأبیض" استخدام مجازي في العبارة.
4. حقل الکلمات المتضادة
إن التضاد هو آن یعبر اللفظ عن معنین ضدین. (المجاهد، 1985م: 122) أمثلة لحقل الأضداد هي کلمات "البیاض والسواد" و"السخاء والبخل" و"العطشان والریان". في الحقيقة «تعدد علاقة التضاد نوعاً من العلاقة بین المعاني وربما کانت أقرب إلی الذهن من أیة علاقة أخری فمجرد ذکر معنی من المعاني، یدعو هذا المعنی إلی الذهن، ولا سیما بین الألوان، فذکر البیاض یستحضر في الذهن، السواد فعلاقة الضدیة من أوضح الأشیاء في تداعي المعاني.» (محمد داوود، 2001م: 193)
إن التضاد عنصر آخر استخدمته الشاعرة في جمالیات قصائدها وله حضور جدیر بالملاحظة، وبالإضافة إلی دوره الموسیقي يؤدّى وظائف دلالیة في الوصول إلی المعنی المقصود لأنه «تعمل الأضداد علی متابعة النص، وما یتشکل عنها من علاقات، تتحرَّک في تواتر متجاذب وکأنّها شبکة تتابع خیوطها، وتتبادل مواقعها، وتتشابک تطریزاتها علی جسد النص. کما تقوم الأضداد بدور حیويّ في تأسیس الوجه الأهم في البنیة الحرکیة في النص.» (شرتح، 2005م: 46)، لهذا السبب، تلعب هذه الثنائیات دوراً هاماً في بيان مشاعر الشاعرة وانفعالاتها.
«أولدُ مع الظل/ وأموتُ عاریة في الضوء/ حیث البنفسجُ هو الذکری الوحیدة/ من بقایا الروح.» (صالح، 2008م: 46-45)
في هذا المقطع، مع ذکر کلمة "أولد" و"الظل" یتبادر إلی ذهن المخاطب کلمة "أموت" و"الضوء" علی الفور. وبالإضافة إلی ذلک، خلقت هذه الکلمات صدى موسیقیا ممتعا في جو القصیدة وساعدت المخاطب علی فهم القصیدة. هنا لا یتفق المعنی المعجمی للکلمات "أولد وأموت" و"الظل والضوء" مع المعنی الإیحائي، وإستخدمتها الشاعرة بشکل کنایی وتدل هذه الکلمات علی الحالة النفسانیة للشاعرة وهي حاولت أن تنعکس قضایا أسرتها ومجتمعها بصور مختلفة منها التضاد. وتقول الشاعرة أیضاً في قصیدة "جسد السماء":
«بین التوهج والإنطفاء ترکنا رؤوسنا/ فوق حقول الصبّیر والجلبان/ مرت شفاهُنا، ما من کلمةٍ تُقال،/ علی الأرضِ البَوارِ سفحنا میاه العروق/ وما نبتتْ لنا القصائد/ ما من کلمة تشعل الحرائق، تطفئ الحرائق/ أطفئوا الشموعَ لتولد الظلمةُ بارتیاح/ ذَهَبُ النهار لا یدفئ أوهامَ الجنون.» (نفس المصدر: 29)
هنا تنعکس الشاعرة من خلال هذه الکلمات المتضادة، واقع الذات الأنثویة وتعبر عن معاناتها وقلقها النفسانية إزاء عدم الحریة في المجتمع، حیث وجدت المصابیح مطفأة في منفی القلب. ویبدو أیضاً بأن استخدام الکلمات المتضادة "التوهج والإنطفاء" و"تشتعل وتنطفيء" و"الظلمة والنهار" یشیر إلی الاختناق الذي یوجد في المجتمع وانعدام الحریة ووجود النفي والفساد فيه، کما تعبر هذه الکلمات المتضادة أیضاً عن إضطراب والجو السیئ الّذي سیطر علی المجتمع. وكذلك، الشاعرة قد رسمت في أشعارها جواً ملیئاً بالحزن والخوف أمام المخاطب باستخدام الصور الجميلة والمثيرة للتفكير.
5. الحقل السنتماجيّ
إن الحقل السنتماجيّ «هي تشتمل مجموعات الکلمات التي تترابط عن طریق الاستعمال ولکنها لا تقع أبداً في نفس الموقع النحوي. وقد کان w. porzig اول من درس هذه الحقول، وذلک حین وجه اهتمامه إلی کلمات مثل: کلب - نباح، فرس- صهیل، زهر- تفتح، یری - عین، یسمع- أذن و... .» (مختار، 1998م: 81-80)
هذه الکلمات تأتي دائماً معاً ویوجد بینهما تناسب وارتباط في المعنی وتلعب دوراً هاماً في فهم المعنی المقصود. في هذا المجال لا یکون الوصف الدلالي لکلمة ممکناً دون الإتیان بالکلمة المصاحبة لها. لهذا السبب یتبعون الأدباء، مبادئ وقواعد معینة وفي سیاق الجملة یخلقون کلاماً متناغماً ومتماسکاً. علی سبیل المثال، یمکن أن نُشیر إلی هذا المقطع من الشعر:
«عندما غنّی البحر نشید الأسرار/ تطلّع إلي بعینین موجعتین/ کأعین المحبین/ وکالجندي المنهزم/ وطئتُ الأرض وتعثرتُ بالأعشاب/ وقد لاحت المسافة بعیدة/ والطریق أکثر برودة/ من أن تتحملها قدمان مسافرتان.» (صالح، 2008م: 81)
إن الکلمات التي تربط ببعضها البعض في هذه المقاطع هي: غنّی - نشید، تطلّع إلي – بعینین، الجندي – المنهزم، وطئت – الأرض، لاحت – المسافة. تتحدث الشاعرة في هذا المقطع عن حبها المفاجئ ولا تعلم کیف تصیب بهذا الألم من نجم أشرق في أعماق قلب محبوبها وتسرب إلی قلبها، لکنه تغیب فجأة، عاصفة تغمرها وتحطم أحلامها وهذه العاصفة هي حزن هجران محبوبها. تطلب الشاعرة من محبوبها أن یمنحها فرصة الحب والبکاء لأجل فراقها ولهذا هي تشبه حیاتها بالماء الشاردة في غیابه. إن العاصفة والإضطراب تحیط بقلبها الّذي لا یهدأ ولا أمل له في عودة الحبیب إلیها وتراقب المسافة بینها وبین حبیبها.
ولکن في کثیر من مقاطع القصائد، نشاهد الإنزیاح. علی سبیل المثال، یمکن الإشارة إلی المقطع التالي:
«ألفُ حصان یصهلُ في دمي/ أتدرّعُ بموتي/ أرضعُ جوعَ الذئاب/ أمتطي شعرَ الریح/ ألبسُ اللیل/ مطرٌ ولا ربیع/ اجززْنَ شعورَکن یا نساء/ نواحَکنّ یا نساء/ واغسلِ الأرض یا نبیذَنا/ لحمُ أطفالِنا ولیمة/ لحم أطفالنا یفرخُ الرعب.» (نفس المصدر: 54)
کما نشاهد في المقطع الأول فقط، یتم ترتبط الألفاظ ببعضها البعض بشکل سنتماجیة. في المقاطع التالیة نشاهد الإنزیاح من نوع الإستعارة. کیف یصهل الحصان في الدم؟ وکیف یدرع الموت؟ وکیف یرضع جوع الذئاب؟ وکیف ...؟ لقد تجنّبت الشاعرة في المقاطع السابقة، الجمع بین الکلمات التي تأتي دائماً متلازمة معها ولجأت إلی الإنزیاح للتعبیر عن أحاسيسها وهواجسها الداخلية. ولذلک فقد اربکت الشاعرة النظام اللغوي في أغلب قصائدها وقد اتجهت في معظم قصائدها إلی الإنزیاح مما سبب التعقید في فهم کلامها.
الدلالة الصوتية
يعرّف العلامة المسلم أبو الفتح بن جني (ت 392هـ) اللّغة في تعریف دقیق ویجمع بین طبیعتها الصوتیة ووظیفتها في المجتمع. هو يقول: إنّ اللّغة «أصوات یعبر بها کل قوم عن أغراضهم.» (عکاشة، 2007م: 9) في الحقيقة تؤثر دلالة الأصوات علی المعنی «وتلعب دوراً کبیراً في الکشف عن الإنفعالات النفسیة والطاقات الشعوریة، لأن الصوت هو مظهر الإنفعال النفسي وأن هذا الإنفعال إنما هو سبب في تنویع الصوت، بما یخرجه فیه مدّاً أو غنُة أو شدّة وبما یهيئ له من حرکات المختلفة في اضطرابه وتتابعه علی مقادیر تناسب ما في النفس من أصولها.» (الرافعي، 2005م: 149) ولکل صفة من صفات الحروف صوت، وأصوات الحروف المختلفة تنزل منزلة النبرات الموسیقیة وتحدث جمالاً توقیعیاً في نفس القاريء أو السامع کما تحدث إنفعالاً نفسیاً ینتج عنه تنویع الصوت. (خالدي، 2016م: 25)
تنقسم الأصوات علی نوعین: صوامت "Consonants" وصوائت "Vowels" والصوت الصامت هو الذي یحدث بسبب اعتراض في مجری الهواء، أو هو الصوت الذي یتصدی له جزء من الجهاز الصوتي، فیکون مخرجا له. وهو الذي قال فیه إبن جني: «اعلم أن الصوت عرض یخرج مع النفس مستطیلا حتی یعرض له في الحلق والفم والشفتین مقاطع تثنیة عن امتداده واستطالته، فیسمي المقطع أینما عرض له حرفاً والحرف یعني الصوت.» (عکاشة، 2007م: 34) ویحدد الصوت الصائت (في الکلام الطبیعي) بأنه الصوت "المجهور" الّذي یحدث في تکوینه أن یتدفع الهواء في مجری مستمر خلال الحلق والفم، وخلال الأنف معهما أحیاناً، دون أن یکون ثمة عائق (یعترض مجری الهواء اعتراضاً تاماً) أو تضییق لمجری الهواء من شأنه أن یحدث احتکاکاً مسموعاً. (السعران، لاتا: 148) وقال إبن جني فیه: «فإن اتسع مخرج الحرف حتی لا ینقطع الصوت عن امتداده واستطالته، استمر الصوت ممتداً ینفذ.» (عکاشة، 2007م: 34) فالدلالة الصوتیة التي تأتي في المستوی الصوتي، هي الدلالة التي تستنبط من الأصوات التي تألّفت منها الکلمة وتختلف دلالة الکلمات بحسب طبیعة هذه الأصوات، فتدلّ شدّة الصوت وجهره علی معنی قوي، کما تدّل رخاوة الصوت وهمسه علی معنی فیه لین ویسر، والدلالة الصوتیة تشتمل علی دلالة الصوت ودلالة النبر ودلالة المقاطع ودلالة التنغیم. (عوض حیدر، 2005م: 30) لذا في هذه الدراسة يرتکز الإهتمام علی جانب الصوامت التی نالت الحظ الأوفر من إهتمام اللغویین.
1. الأصوات المجهورة والمهموسة
قَسّم العلماء الأصوات إلی المجهورة ((les sonores والمهموسة (les soudres) بحسب وضع الوترین الصوتین، ففي حالة النطق بالمصوت المجهور تنقیض فتحة الزمار ویقترب الوتران الصوتیان أحدهما من الآخر فتضیق هذه الفتحة، ولکنها تسمح بمرور النفس الذي یندفع فیها، فیهتز الوتران الصوتیان. (طحان، 1972م: 50-51) وهما یحدثان صوتاً موسیقیاً تختلف درجته حسب عدد هذه الهزات أو الذبذبات في الثانیة، کما تختلف شدته أو علوه حسب سعة الاهتزازة الواحدة، وعلماء الأصوات اللغویة یسمون هذه العملیة بجهر الصوت. (أنیس، 1975م: 20) وعکس الجهر في الإصطلاح الصوتي هو الهمس. فالصوت المهموس هو الذي لا یهتزان معه الوتران الصوتیان ولا یسمع لها رنین حین النطق به. ولا يعني هذا بأنه لیس ثمة ذبذبات للنفس مطلقاً وإلا لم تكن تدرکه الأذن ولکن المراد بهمس الصوت هو صمت الوترین الصوتین معه، رغم أن الهواء في أثناء اندفاعه من الحلق أو الفم یحدث الذبذبات ویحملها الهواء الخارجي إلی حاسة السمع فیدرکها المرء من أجل ذلک.
إن الأصوات المجهورة هي خمسة عشر صوتاً: "ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، و، ى". والأصوات المهموسة هي ثلاثة عشر صوتاً: "ء، ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ط، ف، ق، ک، هـ". (نفس المصدر، 21-20)
نظراً لأن قصیدة النثر لا تحتوی القافیة والوزن العروضي، فإنها تعتمد أکثر علی موسیقي الحروف ووضع حروف القصیدة یتماشي مع مقصود الشاعر. کما استطاعت سنیة صالح أن تنقل نوایاها إلی المخاطب بتوظیف موسیقی الحروف والکلمات.
«تستعرُ حصاتُکِ في القاع/ أیتها الذاکرةُ الحزینة/ وتلبسین المرارة/ لكن المرأةَ التي تملکُ البکاءَ وحدَه/ أسیرةٌ أبداً/ فامنحي عریَکِ للجبالِ الخجولة/ وارفعي مفاتنَک/ حیث السرُّ مدفونٌ في کنائسِ الشتاء.» (صالح، 2008م: 65-64)
إن توظیف الحروف المجهورة والمهموسة في هذه المقاطع وتکرارها، بالإضافة إلی مضاعفة الموسیقي الداخلیة للقصیدة، یشیر إلی مقصود الأساسي للشاعرة وهو الحزن والأسی في نفس الشاعرة. وکلمات "الحزینة والبکاء وحدة وأسیرة والسرُّ مدفون وکنائس الشتاء" کلها تعبر عن هذا الحزن والألم. أما علی صعید الترکیبي، نجد بأن جمل القصیدة بعضها طویل، وهذا یشفّ عن الحالة النفسیة التي یعیشها القائل ويکشف عن المعاني العمیقة المبثوثة في النصّ. فدرجة طول الجمل تؤثر في درجة استغراقها الزمني عند قراءة البیت أو القصیدة، فهي تستغرق زمناً أطول. و أيضاً قد تعبّر بساطة الجملة عن السرور والفرح، في حین، أطولها وأعقدها یعبّر عن الحزن والکابة والقلق. (أبو زنید، 2015م: 51)
«الورود سوداء في المنفی/ النسر وحش والغابة کمین/ وعبثاً یصل الفم إلی الفم/ في نقطة لا تطالها الجهات رحت أحفر/ علّني أری جوهرة الحریة/ فنشرب من فم واحد/ أو نقهر معاً/ لکن الغابة بیضاء/ وطعام العصافیر ثلج.» (صالح، 2008م: 333)
في هذا المقطع من الشعر إن تکرار الحروف المجهورة والمهموسة يعني: "ف، ن، ح، ت، ر، ع، و" بالإضافة إلی أنه جعل موسیقی الشعر ممتعا للأذن، يحکي ذروة الظلم والقهر السائد علی المجتمع ويعبر بالصورة الجميلة عن المفاهیم المنشودة.
2. الأصوات الشديدة والرخوة
تتکوَّن الأصواتُ الشدیدةُ (الانفجاریة) من اجتماع أمرین: الأول: حبس النفس الخارج من الرئتین حبساً تاماً في موضع ما من آلة النطق، فینضغط الهواء خلف ذلک الموضع، والثاني: إطلاق النفس المضغوط بانفصال العضوین انفصالاً سریعاً، فیتدفع الهواء محدثاً صوتاً انفجاریاً. (القدوري الحمد، 2004م: 108) ومن ثم، فالصوت الانفجاري یتکون من 1- الحبس (الوقف) 2- الإطلاق 3- صوت یتبع الإطلاق. ومن هنا، وصفت الانفجاریة - أحیاناً - بأنها «آنیة» في مقابل غیرها من الأصوات التي یطلق علیها لفظ "متمادة". (السعران، لاتا: 153).
والأصوات العربیة الشدیدة کما تؤیدها التجارب الحدیثة هي: "ب، ت، د، ط، ض، ک، ق، ج". (أنیس، 1975م: 24)، أما الأصوات الرخوة (الاحتکاکیة)، فعند النطق بها لا ینحبس الهواء انحباساً محکماً، وإنما یکتفي بأن یکون المجراء عند المخرج ضیقاً جداً ویترتب علی ضیق المجری بأن النفس في أثناء مروره بمخرج الصوت یحدث نوعاً من الصفیر أو الحفیف مختلف نسبته تبعا لنسبة ضیق المجری. (نفس المصدر: 24) والأصوات الرخوة في اللغة هي: "س، ز، ص، ش، ذ، ث، ظ، ف، هـ، ح، خ، ع".
«عندما ابتسمت عیناک/ لصمت عیني/ غاص قلبي في ضوء الحب الذهبي/ وطار النسیمُ هادئاً کفراشة/ غنّت الجدوال الصغیرة/ وهي تبتسم وتنثني بین الصخور/ مثلَ صبي یلهو وراء الفراشات/ هناک فصولٌ عظیمة لصید الأعشاب/ وأخری لحرقها/ والریح التي تحمل رائحةَ العفونة/ لن تبلغَ الذری العالیة.» (صالح، 2008م: 93-92)
في هذا المقطع من الشعر، تکرار حروف (ع، ب، ت، س، ث، ص) أدي إلی الموسیقي الممتع. من معاني حرف العین هي: "الإحاطة والعلو والصلابة والعیوب الجسمانية والروحية والرقة والصوت والمشاعر الإنسانية" ومن معاني حرف الباء هي: "القطع والحفر والبیان والظهور والتوسع والإمتلاء والعلو والامتناع والشدّة والإنتشار". ومن معاني حرف التاء هي: "الرقة والضعف والإنفجار والحیویّة" ومن معاني حرف الثاء هي: في ابتداء الکلمة "الفصل والتّشتّت والتّخلیط"، وفي النهایة الکلمة "الرقة والسّلاسة والانفراج والحرارة" ومن معاني حرف السین هي: "الصوت والامتداد والتّحرک والإنتشار والخفا والإستقرار واللّین والسّلاسة والقطع" ومن معاني الصاد هي: "الشدة والصوت والعذوبة والطّهر والحلاوة". (عباس، 2000م: 141) هنا ینسجم تکرار الحروف مع الجو النفسي والإنفعالي للشاعرة. عندما یبتسم محبوب الشاعرة، هي تشعر بالعلو والطرب، وفي هذه الشعور تنسجم الطبیعة معها أیضاً والنسیم یطیر هادئاً کالفراشة وتغني الجدوال في حال کونه وتبتسم وتنثني بین الصخور کطفل یلعب بین الفراشات. وفي المقطع الأخیر، یضاعف تکرار حرف "الحاء" علی موسیقي القصیدة رنیناً یتلائم مع جو القصیدة وهو الإحساس بالحیویة والحلاوة وحرارة الحب.
3. المقاطع Syllable))
يعتقد الأصواتیون بأن الأصوات في السلسلة الکلامیة تتابع علی شکل مجموعات متتالیة یمکن تمییز أصوات کل مجموعة من الأخری، ولا تتطابق هذه المجموعات الصوتیة غالباً مع الکلمات التي تؤلف تلک السلسلة، فقد تتألف الکلمة من مجموعة واحدة أو أکثر، وقد تتداخل تلک المجموعة بین کلمتین في الکلام المتصل، وأطلقوا علی کل مجموعة منها اسم "المقطع". فللمقاطع تقسیمات مختلفة. «إن المقطع من حیث بناؤه المثالي أو النموذجي أکبر من الصوت (sound) وأصغر من الکلمة: وإن کانت هناک کلمات تتکون من مقطع واحد، مثل: "من" بفتح المیم أو کسرها والکلمة التي تتکون من مقطع واحد تسمي "أحادیة المقطع" في حین التي تتشکل من أکثر من مقطع یطلق علیها "متعددة المقاطع".» (بشر، 2000م: 504-503)
ومن حیث صوت الأخیر تنقسم إلی: المقطع المغلق أو القفل: هو المقطع الذي ینتهي بصامت مثل: لن، ال، دد.
المقطع المفتوح: هو المقطع الذي ینتهي دائماً بصوت مد طویل أو قصیر مثل: لا، را، ما، نا، دُ، رُ، فُ وتختلف المقاطع أیضاً بدرجة الطول هناک. ( فاضل المطلبي، 1984م: 48-47)
«مقطع قصیر: مکون من صامت وصوت مد قصیر نحو "لـَ".
مقطع طویل: مکوّن من صامت وصوت مدّ طویل من نحو "لا" أو من صامت ومصوت مدّ قصیر وصامت من نحو "لن".» (نفس المصدر: 48)
«عندما یهوي جناحُ الرؤیا/ ینزفُ الجرح/ قطرة، قطرة/ قطرةُ الدمِ ولادة/ قطرةُ الدمِ ارتواء/ قطرةُ الدمِ حزنٌ وحزن/ قطرةُ الدمِ رحیل/ الجناحُ الجریحُ یهوي/ في أعمق الأعماق/ وتنطفئُ الیقظة.» (صالح، 2008م: 61)
«عِنـ/ دَ/ ما/ یَهـ/ وي/ جـَ/ نا/ حُر/ رُؤ/ یا/ یَنـ/ زِ/ فُلــ/ جُر/ حُ/ قَط/ رَ/ تَن/ قَط/ رَ/ تَن/ قَط/ رَ/ تُد/ دَ/ مِ/ وِ/ لا/ دَ/ تُن/ قَط/ رَ/ تُد/ دَ/ مِر/ تِ/ وا/ ءُن/ قَط/ رَ/ تُد/ دَ/ مِ/ حُز/ نُن/ وَ/ حُز/ نُن/ قَط/ رَ/ تُد/ دَ/ مِ/ رَ/ حیــ/ لُن/ اَلـ/ جَـ/ نا/ حُلــ/ جـَ/ ریـــ/ حُ/ یَهــ/ وي/ في/ أعــ/ مــَ/ قِلـ/ أعــ/ ما/ قِ/ وَ/ تَنــ/ طَ/ فــِ/ ءُلـــ/ یَقــ/ ظَ/ ةُ/».
في هذه المقاطع، المقطع المغلق لعب معظم الحیز الموسیقي؛ لکن المقطع المفتوح في ما بینها ضاعف الموسیقي الداخلي للقصیدة؛ بالإضافة إلی ذلک تکرار کلمات "الجناح والجرح والقطرة والدم والحزن" تم المسحة الجمالیة بینه وبین دلالة المحتوی وهو التاکید علی اضطراب و حزن الشاعرة. تنقل الشاعرة إلی المخاطب، الزخم العاطفي الذي تعیشه في کل حیاتها التي لا تلتئم أبداً وتؤکد بتکرار قطرة الدم، أحاسيسها الباطنية. علی الرغم من أن الشعر الحدیث تحرر من العروض والقوافي؛ لکن لها الموسیقي الداخلي الخاص لأن «موسیقي القصیدة الجدیدة تقوم أساساً علی هذا الفرض: أن القصیدة بنیة إیقاعیة خاصة، ترتبط بحالة شعوریة معینة لشاعر بذاته، فتعکس هذه الحالة لا في صورتها المهوشة التي کانت علیها من قبل في نفس الشاعر، بل في صورة جدیدة منسقة تنسیقاً خاصاً بها، من شأنه أن یساعد الآخرین علی الالتقاء بها وتنسیق مشاعرهم المهوشة وفقاً لنسقها.» (اسماعیل، 2007م: 64)
إن سنية صالح في قصیدة "ملایین الأرواح خارج غطائها" ترسم صورة المجتمع الأبوي وتشكو من ضياع حقوق المرأة فيها بصور جميلة:
«نیران المحبة تعمّق بصیرتک أمام الخراب/ لا الأنهار تنساب فوق لساني/ ولا المحیطات تمخر عباب جمجمتي/ تطؤنا نعالُ الذکورة ونحن ممزّقات/ فأي سیدة ترفع الحطام؟/ کانت الأحصنةُ لامعةً تحت شمس اللیل/ والماءُ جدیداً في فم الرّغبات.» (صالح، 2008م: 295-294)
«نیــ / را/ نُلــ / مَـ/ حَبــ/ بــَ/ تــِ/ تَــ/ عَمــ/ مَـ/ قَ/بـَ/ صیــ/ رَ/ تُــ/ كَ/ أ/ ما/ مَلــ/ خــَ/ رَا/ بِ/ لَلـــ/ أنــ/ ها/ رُ/ تَنــ/ سا/ بُ/ فَو/ قَ/ لــِ/ سا/ ني/ وَ/ لَلــ/ مُ/ حیــ/ طا/ تُ/ تَمــ/ خِ/ رُ/ عــُ/ با/ بَ/ جُمــ/ جُـ/ مَـ/ تي/ تــَ/ طـَ/ ؤُ/ نا/ نِـ/ عا/ لُذ/ ذُ/ کــو/ رَ/ ةِ/ وَ/ نَحــ/ نُ/ مُـ/ مَز/ زَ/ قا/ تُن/ فَـ/ أیــ/ یُ/ سَیــ/ یِ/ دَ/ تِن/ تَر/ فَـ/ عُلــ/ حُـ/ طا/ مَ/ کا/ نَ/ تِلــ/ أحــ/ صِـ/ نَـ/ ةُ/ لا/ مِـ/ عَـ/ تَن/ تَحــ/ تَ/ شَمــ/ سِلــ/ لَیــ/ لِ/ وَلــ/ ما/ ءُ/ جَـ/ دیــ/ دَن/ في/ فَـ/ مِر/ رَ/ غَـ/ با/ تِ/».
في المقاطع المذکورة، بالإضافة إلی تکرار الحروف وموسیقاها الممتع، فإن تکرار المقاطع المغلقة والمفتوحة، خاصة تکرار المقطع الطویل یؤدّي إلی جوٍ إیقاعی في القصیدة ویلعب دوراً مهماً في إغناء القصیدة دلالیاً وإیقاعیاً، فلهذا، يجذب القارئ وينقله إلی أجواء النفسانیة للشاعرة وجعل القصیدة أقرب إلی فهمه. هنا تتحدّث سنية صالح عن واقع المجتمع الأبوي الّذي لا تزال تعاني المرأة العربية منه ومن إنعدام المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، وكذلك هي تجسم الإنسانیة المسحوقة تحت نعال الذکورة، و في الحقيقة «تعبر بلسان الأنثی المضطهدة التي تجد في الشعر ملاذاً للتعبیر عن تاریخ طویل من القمح والإقصاء عبر سفر موجع من قطب الجسد إلی قطب الروح.» (برهم، 2010م: 8)
الدلالة البلاغية
إن استعمال المباحث البلاغية في الكلام المنثور أو الشعر خاصةً، يجعل للكلام أثر خلّاب في نفس المخاطب وتأثير أكبر في نفسية السامع. يحاول الأديب باستعمال هذه الفنون البلاغية أن يُزيّنَ كلامه وأن يُظهرَ براعته الأدبية. ولكن غرضه النهائي، مطابقة الكلام لما يقتضيه حال المخاطب وتأثير اكبر في نفس المتلقي والمخاطب. هدف المؤلف الآخر من توظيف هذه الفنون في أثره وزرعها في ثناياه، التعبير عن المأزق السياسيّ والثقافيّ في المجتمع والإضطرابات والمضايقات النفسية في الأديب. ولهذا، هو يدثر كلماته برداء وسِتار من الرموز ليجعل المتلقي حُراً في التّفسير وفهم المعاني والتعابير.
يمكن القول بأن «البلاغة في الكلام مطابقته لما يقتضيه حال الخطاب مع فصاحة ألفاظه مفردها ومركبها.» (الهاشمي، 1999: 40) ومِن وجهة النظرة السيّاقيّة، تلعب الفنون البلاغيّة والمحسّنات اللفظيّة والمعنويّة دوراً مهماً ودلالياً في نسيج النص وإطار لغويتها ملائماً لأهداف المتكلم والأديب. (فضل، 1998م: 180-179) في الحقيقة «إنَّ المعاني لاتبدو مستقرة بل إنَّها تعتمد على المتكلّمين والسّامعين والسّياق. فإذا كان المستوى الدّلالي يعني دراسة المعنى، فقد عُني الدرس البلاغي بدراسة المعنى من خلال اللفظ الدال وارتباطه بمدلوله أو من خلال مباحث بيانيّة أو بديعيَّة.» (شناوة، 2007م: 105)
استخدمت سنية صالح في أشعارها من الفنون البلاغية والمحسنات اللفظية والمعنوية كثيراً، وغرضها النهائي مِن استعمال هذه المحسنات، التأثير الأكبر في السامع وتقريب المعاني والمفاهيم العقلية والعاطفية إلى الحواس الخمسة وأيضاً الإبهام والرموز في الكلام، لأنها لا تستطيع أن تُبيّن أغراضها الأساسية أحياناً لوجود بعض الإختناق السياسي والثقافي في مجتمعها وكذلك بسبب التحدّيات النفسية والعاطفية الّتي تأخذ حيزاً كبيراً في حياتها العقلية والعاطفية، الأسباب الّتي تؤدي إلى تقديم الكلام عبر هذه الصيغ البلاغية المتنوعة.
سنية صالح تعتبر من أصحاب المدرسة الرومانسية في الشعر العربي المعاصر وعلى هذا الأساس، هي تعتمد على الطبيعة وتستفاد من مظاهرها كثيراً كمصدر إلهام أشعارها، لأنّ الرومانسي «قد أحب الطبيعة وعشقها وقد كانت الطبيعة عندهم مهرباً يلوذون بصفائه من كدر الحياة.» (حسن، 2009م: 15) وكذلك هي تستخدم الأسلوب التخيلي وتلوّن أشعارها بألوان مختلفة وممزوجة بالمشاعر والعواطف الحساسة.
يُشار في هذا القسم إلى أهم المحسنات المعنوية واللفظية التي استعملت سنية صالح في أشعارها وهي تتكون من التشبيه والإستعارة والمجاز والكناية.
1. التشبيه
إن التشبيه هو أحد المحسنات البيانية الّتي نحن نشاهده في أشعار سنية صالح كثيراً. التشبيه كما نستوحي من اسمه هو التماثل والتشابه بين الأشياء. على هذا الأساس هو «أوّل طريقة تدُلُّ عليه الطبيعة لبيان المعنى، وهو في اللغة: التَّمثيل، وعند علماء البيان: مُشاركة أمرٍ لأمرٍ في معنًى بأدوات معلومة.» (الهاشمي، 1999م: 40)
مِن بين الفنون البلاغية والمحسنات البيانية، لاتصل أيّاً منها إلى حد التشبيه في عملية التصور والتصويرية للمعاني والمفاهيم حتى يُقال حوله: التشبيه يُظهر المعنا بشكلٍ كأنّك تَراه بعينيك وتلمسه بأصابعك. (قاسمي، 1387ش: 45) في التَّشبيه أيضاً يضع المتكلم، المخاطبَ والقارئَ في جوٍ مِن هَمس رومانسي ومعنوي بواسطة إغراء مشاعره وعواطفه وكأنه يُشْركَ المتلقىَّ في مشاعر نفسه. في الحقيقة، يُخرج الأديب بهذا الطريق، المسائلَ المعنوية والنفسيّة مِن مجالها ويضعها في حقول ودوائر حسيةٍ. (فسنقري و كارآمد، 1396ش: 187) وكذلك «من خصائص التشبيه الدّلالية زيادته المعنى وضوحاً وتوكيداً ومبالغةً، فضلاً عمّا يُفيده من الإيجاز والإختصار في الكلام.» (شاكر شناوة، 2007م: 106)
في هذا المجال تُذكر عدة المقاطع الشعرية من أشعار سنية صالح التي استعملت في خلالها من التشبيهات المتنوعة لأن تُبيّن أغراضها وعواطفها الخاصة بهذا الشكل البياني:
«يتنهّد قلبي/ ويجف كالأشجار/ حتى الأيام الساكنة كالصخور/ ترسل ضجيجاً كصفير البواخر العمياء.» (صالح، 2008م: 113)
في هذه الأبيات تتكلم الشاعرة عن الحزن واليأس الّذي ظلّل على أفكارها وعواطفها بسب مرض تصيبه في حياتها. هي تشبّه قلبها المحزون بأشجار يابسة تساقط أوراقها الخضراء. إنّ أيام المرض واضطرابها صعبة وتمر بصعوبة على الشاعرة فلذا، هي تشبّها بالصخور في الصلابة والصعوبة وأيضاً هي تشبّه هذه الأيام الصعبة بالسفن الّتي لاهدف لها وتجري في البحر بدون هدف وخطة وفي الحقيقة تستهدف سنية صالح بهذا التشبيه، تقديم تشتّت أفكارها وشعورها بغياب الهدف في حياتها.
«نعیش فصل الحب كالحشائش/ نبحث عن أرض صغيرة وعن حلم صغير وحين يأتي المساء ننهض كالضباب فوق الأعشاب نبحث عن أشعارنا وعن دموعنا الذابلة.» (نفس المصدر: 32)
في هذا المقطع تتحدّث الشاعرة عن صعوبات طريق العشق ومعاناة العشاق واحوالهم وسماتهم في هذا الطريق. هي تقدّم نفسها كإحدى هؤلاء العشاق في الحنين والتعلق بالمعشوق، فلذلك تُشبّه الحبَّ بالفصل في تنوع الحالات فيه وتقلّبها وتغيّرها. هذه إضافة تشبيهية يعني إضافة المشبه¬به للمشبه. وأيضاً هنا تُشَبّه الشاعرة نفسَهم بالحشائش في تحمّل صعوبات طريق العشق والرغبة إلى الحب والسكران به، الّذين يرضون بأقل من الحياة ومظاهرها للحصول على الهدوء النفسي والشعور بالراحة والسكينة. فكذلك هنا تُشَبّه سنية صالح نفسَهم بالضباب في الترطيب وتنوير العقول والأذهان في المجتمع الّذي انتشرت فيه مظاهر الفساد في جميع المجالات، الظاهرة الّتي تؤدي إلى ضياع القيم والأخلاق والمواهب في المجتمع.
2. المجاز
إن المجاز من المحسّنات البيانية التي تُستعمل فيها الكلمة في موضع غير ما وُضعت لها لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي والوضعي. في الحقيقة إن «المجاز مشتق من جاز الشيء يجوزه إذا تعدّاه، سَمّوا به اللّفظ الذي يُعدَلُ به عمّا يوجبه أصلُ الوضع، لأنهم جازوا به موضعه الأصلي. والمجاز من أحسن الوسائل البيانية التي تهدي إليها الطبيعة لإيضاح المعنى، إذ به يخرج المعنى متّصفاً بصفة حسيّة تكاد تعرضه على عيان السّامع، لهذا شغفت العرب باستعمال المجاز لميلها إلى الاتساع في الكلام، وإلى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ.» (الهاشمی، 1999م: 249)
فلذا، يَستخدم المُؤلّفُ المجازَ كأحد أفضل الأدوات البيانية حتى يوضِحَ المعنا والمفهوم، لأنَّ المعنا بسبب المجاز يتّصفُ بصفةٍ حسيّةٍ ومرئيّةٍ للمخاطب وكأنّه يَرى المعنا بعينيه. (فسنقرى و کارآمد، 1396ش: 188)
ینقسم المجاز إلى أقسام مختلفة ويُشار هنا إلى المجاز المرسل وإلى المجاز العقلي فقط.
المجاز المرسل هو اللفظ المستعمل فى غير معناه الوضعي لعلاقة غير مشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، و له علاقات كثيرة ومتنوعة. (الهاشمي، 1999م: 252) «و المجاز العقلي هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هُوَ لَه لعلاقةٍ مع قرينةٍ مانعة من إرادة الإسناد الحقيقيّ.» (الجارم و أمين: 1999م: 117)
إنّ سنية صالح استخدمت المجاز في أشعارها كثيراً وزَيَّنت كلامها بهذا الفن البلاغي لتحصل النفوس به السرور والهدوء والإتساع في الكلام.
«إنَّهم الطامحون إلى تغيير العالم/ وجعله من لحم ودم. صفوفٌ مشحونةٌ بالكبرياء أو التوسل/ شامخة كالعصيّ أو زاحفة كالديدان وأخذنا نجري مذعورين/ حتى تخفَ أقدامُنا وتعومَ كالنفاياتِ.» (صالح، 2008م: 207-206)
في هذا المقطع، الأقدامُ مجازٌ مُرسلٌ من جميع جسم الإنسان وعلاقته الجزئية، لأنَّ ما يَخافُ، نفسُ الإنسانِ لا أقدامُه، وأثر الخوف يُشاهَد في جميع أعضاء جسم الإنسان، والأقدام جزءٌ منه. هنا سنية صالح تتحدث عن الأدباء المجددين والمفكرين الّذين يدعون إلى محاربة الفساد في المجتمع ونشر الإصلاح والتغيير فيه. هي تَصفهم بالطامحين الّذين يتمنّون تغيير العالم وتحريره من الظلم والفساد. الشاعرة تشبّه هؤلاء الأشخاص بدودة العلق، وكما دودة العلق تمتص الدم الفاسد من الجسم، هؤلاء الأدباء والمفكّرون أيضاً يسبرون الجرح ويمتصّون الدم الفاسد من جسم المجتمع ويحررونه من القيود الوهمية وفساد الأوهام والجهل والقمع. هي لاتعتبر نفسها من مجموعة هؤلاء الأشخاص، لأنها امرأة ولايقبل أفكارها، العقلُ العربيُّ ومجتمعُه بسهولة ولهذا إستولى عليها الرعب والخوف والقلق بسبب هذه القيود الّتي تُفرَض على الشعب والمجتمع العربي.
«کان النهر یثب وینتفض/ والمفاجآت تتراكض/ والزمن الأسود يلدُ الأيّامَ والسّنينَ/ يلد الحروب والكلاب والمواخير.» (نفس المصدر: 205)
في هذه الأبيات نحن نشاهد مجازين عقليين. الأول، الإسناد إلى المكان والثاني الإسناد إلى الزمان. أمّا في المجاز العقليّ الأول فَقَد اُسْنِدَ الوثوبُ والإنتفاضُ والجَرى إلى النّهر وهو مكانٌ للمياه وليس وثوباً وإنتفاضاً وجارياً بل الوثوب والإنتفاض والجاري، ماؤه. أمّا في المجاز العقليّ الثاني فَقَد اُسْنِدَ التوليد والحدوث إلى الزمن وهو لَمْ يَفْعَلْهما بل كانا واقعين فيه على سبيل المجاز العقليّ.
هنا تشير سنية صالح إلى الفوضى السياسية والإجتماعية والثقافية الّتي تسيطر على المجتمع ودورها الرئيسي في إنهيار المنظومة الأخلاقية. في ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية والسوداء، تولد الحروب يعني النزاع والفساد والظلم في المجتمع ويسيئون بعض الأفراد استخدام سلطتهم ومكانتهم من أجل الوصول إلى أغراضهم الشخصية. الشاعرة تشبّه هؤلاء الأشخاص، بالكلاب والمواخير، الّذين يأكلون لحم الشّعب ويمتصّون دماءَهم ويحولون المجتمع إلى نفايات وجيف متعفّنة.
3. الاستعارة
إن الاستعارة إحدى الفنون البلاغية التي تُزيّنُ الكلام وتُقَرِّبُ العقول إلى التخيل وفهم المسائل التى لا تُدرَك إلا بالإستعارة. في الحقيقة هي «من عناصر التخيل في العَمَل الأدبي وفي الشعر خاصّةً، الّذي يعد التخيّل من أبرز مُقَوّماته.» (شاكر شناوة، 2007م: 109) إحدى الوظائف الرئيسيّة للإستعارة، تحريك مشاعر المتلقى والسامع لجذب إنتباهه وخَلْق اشتياقه ودوافعه، وعلى هذا السبيل، يُمكن أن يُشَوّقه إلى قبول الرأي وأداء العمل وردّ¬ الفعل على موضوع خاص. (فتوحي، 1390ش: 339)
استخدمت سنية صالح الاستعارة في أشعارها كإحدى أجمل أساليب وأدواة التعبير لبيان مشاعرها الداخلية وأفكارها الخفية حول القضايا الأساسية الّتي واجهتها في حياتهها العاطفية والنفسية وفي بلادها والعالم برمته.
«... والزهرة الّتي فاجأها الخريف،/ تحتضن جذورها/ تنثر دموعها هنا وهناك .../ رشوة للعاصفة/ كى تتمهَّل.» (صالح، 2008م: 124)
إن الاستعارات التي اُستعملت في هذا القسم، هي الإستعارات التصريحية أو المُصَرَّحة، لأنه ذُكر في الكلام لفظ المشبه¬به فقط. فَقَد استعارت الشاعرة، الزهرة والخريف والجذور والعاصفة لنفسها ومرضها وأولادها والأيام الصعبة الّتي تعيش فيها بسبب مرضها. هي تُشبّه نفسها بالزهرة الّتي ذَبُلت مع وصول الخريف يعني أيام المرض، فبناءً على ذلك، تعبّر عن همومها ومشاعرها الدفينة في هذه الأيام الصعبة الّتي مصابة بها، بغية التأثير في المتلقّي. ظهرت أعراض المرض في سنية صالح فجأة وهذا الموضوع ما جعلها تشعر بالحزن الدائم. الجذور هنا، إستعارة من أولاد الشاعرة. هي تحتضنهم وتتحدّث معهم وتذرف الدموع عندهم وعبر هذا السلوك، تُفرغ همومها وهواجسها ومشاعرها المكنونة. وأيضاً إن العاصفة إستعارة من أيام المرض الّتي اقتحمت حياة الشاعرة وتسببت بالصدمة النفسية وتغير الحياة في نظرتها.
«في معركة الرّبح والخسارة فتح الليل ذراعيه للملهوفين/ للفارين من نيران الموت/ كانت القارات تقضم بعضها البعض.» (نفس المصدر: 101)
في هذا المقطع من الشعر، فَقَد اُسْتُعمِلَتْ الاستعارة المكنيّة أو بالكناية لأنَّه ذُكر في الكلام لفظُ المشبّه وهو الليل والقارات وحُذِفَ فيه المشبّه¬به وأُشير إلى المشبّه¬به بذكر لازمه وهو ذراعان والقَضم. فَقَد شَبَّهَتِ الشّاعرةُ اللّيلَ بالإنسان الّذي له ذراعان وفتح اللّيلُ هذين الذراعين لمن طلب المساعدةَ وأيضاً شُبّهت القارات بالحَيوانات المفترسة لبعضها البعض.
في هذه الأبيات ترسم الشاعرة همومها وأحزانها ومشاعرها الداخلية واللطيفة من خلال صورة استعارتها عن الحروب العالمية الّتي وقعت في العالم وأدّت إلى عدد كبير من القتلى المدنيين والخسائرالكبيرة والأضرار الجسدية والنفسية طويل المدى على الأطفال والكبار. فلذا تشير مصطلحات الربح والخسارة إلى الأهداف الإقتصادية من وراء الحروب، الموضوع الّذي تُسبّب قتل وتشريد الأبرياء في العالم، وفي الحقيقة هؤلاء الأبرياء هم الّذين يدفعون تكاليف الحرب. كذلك هنا الليل رمز للظلم والإحتلال الّذي انتشر في العالم بعد وقوع الحرب، فلهذا لا يوجد مكان آمن لحياة هادئة وبلا قلق في العالم.
4. الكناية
اِستخدمت الشاعرة الكنايةَ كفنٍ بلاغيٍ لتعبير أفكارها الّتي لاتُمكن أن تقولها بشكل واضح وصريح، فعلى هذا، تُكنّى عن أغراضها بأشعارها وتُطْلِقُ يدَ القارئ والمتلقيَّ في التفسير وتأويل أفكارها ونيّاتها.
في الكناية، التغيير والتَّدخُّل في نظم التركيب وعلاقة الألفاظ يؤدي إلى التغيير في الدّلالة؛ وهذا يعني في الكناية لايُمكن اللّفظُ وحده بدلٌ من لفظ آخر بل يُوضَعُ كلُّ الألفاظ جنباً إلى جنب ليُسَبِّبَ التَّغَيّرَ في المعنا. (فسنقري وكارآمد، 1396ش: 193) فعلى هذا الأساس «إنَّ فهم الدلالة في الكناية والصّور المرتبطة بها مردّه إلى التّصرّف العقلي الّذي ينتقل من المعنى الظّاهر غير المقصود إلى المعنى المستور من خلال علاقة اللّزوم بينها.» (شاكر شناوة، 2007م: 112)
في هذا القسم من البحث، يتم تحليل أمثلة مختارة من الكناية في أشعار سنية صالح لتبيين دور الكناية في التَّأثير على القارئ والسّامع.
«العالم يهذي/ يمزّق أعلامه ويغترب/ ينفض غباره في عينيّ/ لولا ظلي لسقطت.» (صالح، 2008م: 221)
في هذا المقطع الشعري، جملة "ینفض غباره في عيني" كناية عن الإحتيال والخدعة الّتي تكون من صفات الدّنيا كما قال الإمام علي عليه السلام في صفة الدّنيا «تَغرُّ وتضرُّ وتمرُّ.» (نهج البلاغة، الحكمة 415) وكذلك هذه الجملة كناية عن الشقاء والبؤس والمعاناة الّتي تُسَبّبها حوادث الدّهر والإستعمار والفساد في المجتمع الّذي تعيش فيه الشاعرة. سنية صالح تعاني من المرض الصعب في مرحلة من حياتها، فلذلك تمر الأيام لها بصعوبة وإن الدنيا غصّة في حلقها. من جهة أخرى، هي تشاهد الفساد في مجتمعها وأيضاً الحروب والأحداث المريرة في العالم وفي الوطن العربي خاصة، الأحداث والجرائم الّتي يسببها الإستعمار والدول الإستعمارية. فلذا، هي تعبّر عن أفكارها وأحاسيسها الداخلية حول هذه القضايا وتُعرب عن غضبها الشديد من السيطرة الإستعمارية.
«الرصاص لم ينقطع منذ العصر الحجري فهل نجتاز مضيق الولادة والليل ينفضنا كالسياط؟.» (نفس المصدر: 280)
هنا في جملة "الرصاص لم ينقطع منذ العصر الحجري"، الرصاص رمز للظلم والجور وهذه الجملة كناية عن ظاهرة الظلم ووجود الظالم والمظلوم في المجتمع وهذه المسألة ليست من الظواهر المستحدثة، بل هي ظاهرة تمتدّ جذورها إلى أعماق التاريخ، من أوّل الخلق إلى يومنا هذا. كذلك جملة "اللّیل ینفضنا كالسياط" كناية عن يقظة الشعب العربي بواسطة إنتشار الظلم. في هذا المقطع، تعبّر الشاعرة عن أحزانها وإحتجاجاتها حول الظلم والفساد والحروب والصراعات السياسية المحلية والدولية الّتي تؤدي إلى قتل الأبرياء وتشريدهم وضياع القيم الأخلاقية وهدم الحياة الهادئة الآمنة في العالم. هي أيضاً تُشبّه اللّيل بالسياط في إيقاظ الشعوب وتنبيه الأمّة تجاه الأعداء، لأنها ترمز اللّيل للظلم والإحتلال الّذي سبب لهموم الشعب العربي وتري بأنه عندما انتشر الظلم وإجتاح الظلام كل المكان يعني في نهاية الظلم والظلام، يوجَد ضوء الأمل للنجاة والحياة ويضيء الطريق ويدفع الشعب إلى الامام، فلهذا إستيقظ الشعب من نوم الغفلة ويطالب بالتحرير ورفض الهيمنة والإحتلال والحصول على الحرية والكرامة والسيادة على وطنهم.
النتيجة
تناولنا في هذه الدراسة الجوانب المختلفة لقصائد سنیة صالح علی أساس الدلالة المعجمیة والصوتیة والبلاغیة ووصلنا إلی نتائج التالیة:
استخدمت الشاعرة في الدلالة المعجمیة: حقل الدال على أجزاء الإنسان و وحقل الدال علی مکونات الطبیعة وحقل الدال علی الألوان وحقل الکلمات المتضادة والحقل السنتماجيّ. إن إستخدام حقل الکلمات المتضادة وحقل الدال علی مکونات الطبیعة وحقل الدال علی الألوان هي الأکثر إستخداماً بنسبة لبقية الحقول الدلالية على التوالى، لأن سنية صالح من الشعراء الرومانسية في الشعر العربي الحديث ولذلك تجنح إلی الطبیعة في معظم قصائدها وتمزج بین الحب والطبیعة وتتحدّث عن أحزانها وأحاسيسها الداخلية بواسطة الطبيعة وأجزاءها. إن قصائدها تدل علی الکتابة الأنثویة، فعلى هذا، الکلمات الدالة علی الألوان لها حضورة باهرة في قصائدها، وأيضاً تستخدم سنیة صالح کباقي الشعراء الكبار من دلالة الکلمات المتضادة في أشعارها كثيراً.
في قسم الدلالة الصوتية استخدمت الشاعرة جمیع الأصوات المجهورة والمهموسة والشديدة والرخوة والمقاطع ولکن بما أن موضوع معظم قصائدها هو الحزن والأسی والشكوى من المرض والظلم والفساد وعدم المساواة والحرية في المجتمع، هي تكرر الحروف المجهورة والمهموسة وتستعملها كثيراً في قصائدها بسبب سیاق الکلام. وكذلك إستعمال الأصوات الشديدة والرخوة في أشعار سنية صالح يحكي عن راحة البال وهدوء النفس عند الشاعرة بسبب الحب للأم والأب والأولاد والمعشوق وإبتسامهم وزيارتهم، الّذين يعطون للإنسان الإحساس بالأمل والتفاؤل والفرح للحياة.
في قسم الدلالة البلاغة، استعملت الشاعرة من الفنون البلاغية كالتشبیه والإستعارة والمجاز والکنایة بناءً علی سیاق الکلام ونفسیتها وهي لاحظت جانب اللفظ والمعنی معاً. عالجت الشاعرة من خلال توظیف هذه الدلالات، أغراضها الرئيسية واتخذت اللغة وسیلة لتجسید عالمها الواقعي وهواجسها ومعاناتها التي واجهتها في حیاتها. فلذا بواسطة هذه الفنون البلاغية هي ترسم صعوبات طريق العشق ومعاناة العشاق واحوالهم وسماتهم في هذا الطريق في صورة جميلة، وتتكلم عن الحزن واليأس الّذي ظلّل على أفكارها وعواطفها بسبب مرض تصيبه في حياتها وبسبب حرب وفساد يصيبه المجتمع العربي والعالم برمته. وكذلك هي تشير إلى الفوضى السياسية والإجتماعية والثقافية الّتي تسيطر على المجتمع وتدعو إلى محاربة الفساد في المجتمع ونشر الإصلاح والتغيير فيه عبر إستعمال هذه المحسنات اللفظية والمعنوية، ويمكن القول بأن غرضها النهائي مِن استعمال هذه المحسنات، التأثير الأكبر في السامع وتقريب المعاني والمفاهيم العقلية والعاطفية إلى الحواس الخمسة وأيضاً الإبهام والرموز في الكلام، لأنها لا تستطيع أن تُبيّن أغراضها الأساسية أحياناً لوجود بعض الإختناق السياسي والثقافي في مجتمعها.
